تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وشموسها ، وهذه الأفلاك التي لا تحد اتساعا ، ولا تنحرف عن مسيرها قيد شعرة ، طوعا لربها وتسليما ، وهذه الأرض التي لا تنقضي عجائبها ، وهذه الأحياء المتنوعة التي تتجلى في كل واحد منها عظائم قدرة ربنا الجبار . أوليست جميعا دليل قدرة الله ؟ ! . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى هو القادر ، وكيف يخلق إن كان عاجزا سبحانه ؟ ! . بلى ؛ إنه القادر ، ودليل ذلك تنوع الخلق ، فمن البعوضة المتناهية في الصغر ، إلى الفيل الذي يشبه البعوضة ولكن بحجم أكبر ، إلى الحوت ( الأزرق ) الذي قد تكون عين واحدة منه أثقل من فيل ، ثم يجوب البحار بسرعة هائلة ، إلى عجائب البحار ورواسي الجبال ونباتات السهول . إنك لو قضيت عمرك في معرفة آيات الله في أصغر نبتة : كيف تستقي الأرض وتمتص أملاحها ، وكيف تمثل من الشمس ضوءها ، وكيف تحافظ على نفسها ضد الآفات والعواصف ، وكيف تحقق هدفها في هذا الكون الأرحب . . ؟ نعم . لو فعلت ذلك وعشرات الباقين لما انقضت عجائب تلك النبتة الصغيرة ، وهكذا الحيوان الصغير كالنملة . إذا زرت مكتبة كبيرة فلعلك تجد عشرات الكتب في نبتة متواضعة ! وربما فوجئت بأن النملة التي تسحقها برجلك قد حظيت باحترام العلماء فألفوا فيها عشرات الألوف من الكتب والدراسات حتى الآن . هذا التنوع الكبير الذي لا يحصى أفراده دليل خلاقية الرب ، وأنه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض ، وأنه عليم كيف يصنع ما يصنع ؟ . وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . ولعل التعبير ب مِثْلَهُمْ هنا للدلالة على أن القدرة تتعلق بجنسهم عموما ، وليس بأشخاصهم فقط ، فالذي يستطيع على مثل الشيء يستطيع عليه . ولسنا بحاجة إلى بعض التكلفات البعيدة التي ذهب إليها المفسرون لزعمهم أن مِثْلَهُمْ تدل على عودة الناس ليست بأبدانهم بل بأرواحهم فقط . نعم ربما تكون إشارة إلى أن العائد ليس طبق الأصل من جهتين : الأولى : أن المريض يبعث في عافية ويعود السن شاباً وهكذا . الثانية : أن الجسم الأصلي ( الذري ) هو أساس إعادة البعث . إذ ما سواه يتجدد كما يتجدد جسم الإنسان في الدنيا بتبدل خلاياه ، ويبقى الإنسان هو هو . فكذلك في الآخرة فمن جهة هو نفسه في الدنيا ومن جهة هو مثله .
من هدى القرآن — صفحة 408 | السيد محمد تقي المدرسي