معرفة الرب وشكره أَفَلا يَشْكُرُونَ .
[ 74 ] والبشر يبحث عن قوة ، ولقد أودع في ضميره الإحساس بالضعف الذي يهديه - إن أحسن التفكر - إلى ربه ، ولكن الشيطان يغويه عن السبيل القويم ، ويوحي إليه أن القوة عند الآلهة التي تعبد من دون الله .
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ فهم يعبدون القوة السياسية والقوة الاقتصادية والوطن والعشيرة والحزب والشمس والقمر والنجوم والأحجار التي ترمز إليها ، ويبتغون عندهم القدرة عند الصراع ، لعلهم ينصرونهم أمام القوى المعادية .
هكذا بينت الآية الكريمة خلفية الشرك بالله ، وهي البحث عن قوة تنصرهم في مواجهة الطبيعة أو الأعداء .
[ 75 ] ولكن من ينصر من ؟ هل الآلهة تنصرهم أم هم ينصرونها ؟ .
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يقول ربنا بصراحة بالغة ، ولو لم يكن في القرآن إعجاز إلا هذه الآية لكانت شاهدة صدق على أنه من عند الله ، إذ يزعم الناس - إلا قليل ممن هداهم الله - أن الطاغوت أو أولي الثروة والجاه والعشيرة ينصرون من يشرك بهم ، بينما يؤكد ربنا أن العكس هو الصحيح ، وعندما نتفكر جيدا نعرف أن الآلهة هم الذين يتبعونهم ، فمن الطاغوت لولا أتباعه الذين استسلموا له رغبا ورهبا أو ضلالة ؟ الأثرياء فظلمهم واستضعافهم إنما بسكوت الناس عنهم أو طمعهم في أموالهم وهكذا العشيرة والوطن والحزب .
وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ ولعل هذا التعبير يوحي بأن قوة الآلهة هي مجموع قوة التابعين ، فهم رمز التجمع لا أكثر ولا أقل .
وقال المفسرون : إنما عنى الله بذلك يوم القيامة حيث يصطف المشركون خلف آلهتهم المزعومة ويساقون إلى النار زمرا ، ولا ريب أن الأمر لكذلك ، ولكن - يبدو لي - أن الآية تشمل الدنيا أيضا ، إذ المشركون هم أنصارها هنا ، وفي الآخرة تتجلى هذه الحقيقة أكثر فأكثر ، قال ربنا سبحانه : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً [ مريم : 81 - 82 ] .
وكلمة أخيرة : إن العوامل المؤثرة في حياة البشر ليست جميعا ظاهرة بل هي عوامل غيبية ، وحتى العوامل الظاهرة كالسياسة والاقتصاد وما أشبه فهي - لو أمعنا النظر - تتصل بعوامل غيبية ، وبالتالي لا تستطيع القوى المعبودة من دون الله أن تؤثر فيها شيئا ، ثم إن قوتها
من هدى القرآن — صفحة 402
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٢