وسائر فصول الصراع المعروفة ، فهي - بالتالي - تجمع جملة الحقائق التي ذكرت بها آيات الكتاب في هذا الحقل .
ثانياً : تمثلت فيها سنة الله في الإنذار ، وعادة الجاهليين في الإنكار ، واللتين ذكرت بهما آيات الدرس الآنف ، وهكذا تكون القصة حجة على الحقائق التي بينها القرآن في فاتحة السورة .
ثالثاً : إن سورة يس تبين واقع الجاهليين العرب وهو قريب جدا من واقع أصحاب القرية ( في أنطاكية ) ذلك لقرب العهد الزمني ، وتشابه الرسالتين ( رسالة الله إلى عيسى عليه السلام ورسالته لمحمد صلى الله عليه وآله ) وهكذا وجب أن نستخلص منها العبرة ربما أكثر من أي قصة أخرى .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا إن هذا المثل ينطبق على مثلهم ، لأنهما من نوع واحد وحزب واحد .
أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ أين كانت هذه القرية ، ومن هم المرسلون إليها ؟
قالوا : إنها كانت أنطاكية ثانية حواضر الروم ، والواقعة اليوم في تركيا على حدود سوريا وما زالت عامرة إلى يومنا هذا . إلا إنها في ذلك اليوم كانت أكثر أهمية ، ويحترمها المسيحيون لأن بولس وبرنابا وآخرين زاروها .
أما قصة الرسالة فلم يختلف المفسرون فيها إلا في بعض التفاصيل ، وهي باختصار :
إن عيسى عليه السلام بعث اثنين من الحواريين إلى تلك القرية بالرسالة ، فلما بلغاها وجدا في أقصاها حبيب النجار فدعياه إلى الرسالة فآمن ، ولما دخلا المدينة دعوا الناس فآمن بعضهم ، ومر بهما الملك ذات يوم فكبرا ( ويبدو أنهما لم يجدا طريقا لدعوته غير ذلك ) فحبسهما الملك ، وبعث عيسى عليه السلام الرسول الثالث لتعزيز موقف الأولين ( ولعله كان وصيه شمعون ) فتقرب إلى الملك حتى استخلصه فحدثه عن شأن الرسولين ، وطلب منه أن يسمع منهما الحجة ، فلما أظهرا حجتهما بإبراء الأكمه وإحياء الموتى ( حيث إن ابن الملك أو ابن واحد من حاشيته كان قد مات قبل أسبوع فأحياه الله بدعائهما ) آمن الملك وبعض قومه ، إلا إن الغلبة كانت للمكذبين الذين أهلكهم الله بصيحة واحدة .
وهكذا يرتفع الاختلاف الظاهر بين روايات التفسير التي تنقل أن الملك آمن ، وبين ظاهر الآية التي تنبئنا بهلاك أولئك القوم ، ذلك أن إيمان الملك - حسب هذه الرواية التي نقلها الفخر الرازي - لم يؤثر في الطبقات المسرفة من قومه ، فأنزل الله عليهم العذاب ، والله العالم .
[ 14 ] وليس المهم أن نعرف تفاصيل القصص القرآنية ، إنما المهم أن نتدبر في الجوانب
من هدى القرآن — صفحة 365
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٥