هدى من الآيات :
حين تتراكم حجب الغفلة على الأفئدة لا ينتفع أصحابها بالنذر ، كذلك قال ربنا آنفا ، وهو الآن يضرب مثلا من أصحاب القرية التي جاءها المرسلون فلم يؤمن أغلبهم ، بل قالوا : ما أنتم إلا بشر مثلنا ، ولم ينفعهم أن الله يشهد على صدق الرسل ، وأنهم مسؤولون عن موقفهم ، وليس النذر ، وبالغوا في التكذيب ، إذ تطيروا بالرسل ، وتشاءموا من دعوتهم ، ولكن الرسل استقاموا في تحديهم لأولئك الجاهلين ، بالرغم من توعدهم بأنهم سوف يرجمونهم إن لم ينتهوا من دعوتهم ، بأغلظ ما يمكن ، فقال الرسل : إن تشاؤمهم إنما هو من أنفسهم ، وتهديدهم بالعذاب لا يلويهم عن تذكيرهم ، وإنه لدليل على توغلهم في الجريمة .
وهناك انتشرت الدعوة وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى لينذر قومه قبل أن يحل بهم العذاب لتكذيبهم الرسل ، فنصح قومه إشفاقا عليهم باتباع المرسلين ، الذين تدل على صدقهم حجتان :
الأولى : أنهم لا يسألونهم أجرا .
الثانية : أنهم مهتدون ، وذكرهم بربهم بأبلغ صورة .
أوليس هو الذي فطرهم ، فلماذا ينكرونه ؟ ! أوليس المرجع إليه ، فلم لا يرجونه أو يخافونه ؟ ! أم يعتمدون على الآلهة التي لا تضر ولا تنفع ، ولا تمنع عذاب الله عنهم ؟ ! إنها الضلالة الواضحة ، ثم تحداهم بكل عزم وقال : إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ [ يس : 25 ] ، لقد أخذ الرجل وعذب ثم قتل ثم أحرق ، ولكن السياق يتجاوز كل ما حدث إلى العاقبة فيقول : قيل له : ادْخُلْ الْجَنَّةَ . . . - وبقي حنين هذا الصديق إلى بعد استشهاده ، فتراه يقول وهو يدخل الجنة : - قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ [ يس : 26 - 27 ] .
بينات من الآيات :
[ 13 ] قصة المرسلين الثلاثة إلى قرية ( أنطاكية ) التي جعلت قلب سورة ( يس ) التي هي بدورها قلب القرآن تتمثل فيها الحقائق التالية :
أولًاً : توجز مفصلات الصراع الرسالي مع الجاهلية ، حيث نرى فيها جانبا من حوار الرسل مع الأمم الغاوية ، وحججهم البالغة عليهم ، وشبهات الكفار وردود المرسلين عليها ،
من هدى القرآن — صفحة 364
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٤