وهل هنالك فقر أعظم من أن الله إن يشأ يذهبهم جميعاً ويأت بآخرين بيسر ؟ .
ويبدو أن المحور الثاني الذي يتحدث عنه القرآن هنا بتفصيل ، وهو محور المسؤولية ، يتصل بالمحور الأول ، إذ أن معرفة الإنسان بأنه مجازى بعمله يجعله بعيداً عن المكر السيء ، مندفعاً نحو العمل الصالح ، يبلغ أهدافه بالسعي والاجتهاد عبر المناهج السليمة .
لا أحد يحمل عن أحد ثقل أعماله ووزرها حتى ولو كان ذا قربى . ( ولا يفهم هذه الحقيقة ويخشى ذنبه إلا من يخشى ربه بالغيب ويقيم الصلاة ويتزكى ) ، وإنما ينذر الرسول من يخشى الله ويقيم الصلاة ويتزكى ، وإنما يتزكى لنفسه ( الآيات : 15 - 18 ) .
ويجب أن يكون مفهوماً وبوضوح هذا الأمر ، إنه لا يستوي الكافر والمؤمن الصالح ، إذ هذه المعرفة تساهم كثيراً في اختيار المنهج السليم لبلوغ الأهداف .
لا يستوي الأعمى والبصير ( فلا يستوي الكافر والمؤمن ) ، ولا الظلمات ولا النور ( فأين الضلالةوأين الهدى ) ، ولا الظل ولا الحرور ( السلام والأمن والعافية خير من الحرب والخوف والمرض ) ، وما يستوي الأحياء ( الذين يستمعون كلام الله ويحيون به ) ولا الأموات ( الآيات : 19 - 22 ) .
وإن الله بعث الرسول منذراً بعذاب نكير يصيب المكذبين ، كما أرسل في كل أمة نذيراً ومبشراً الصالحين بأن لهم أجراًحسناً ( الآيات : 23 - 26 ) .
والمحور الثالث في السورة فيما يبدو هو : الإشارة إلى اختلاف ألوان الجبال ، وألوان البشر والدواب والأنعام ، ووعي العلماء لإشارات هذا الاختلاف ، وأنهم المصطفون الذين أورثهم الله الكتاب على اختلاف مستوياتهم ، وجزاؤهم الحسنى عند ربهم ، ولعل هذا المحور يتصل بالمحور الأول في بيان نموذج حي عمن اتبع رضوان ربه فهداه الله إلى السبيل القويم للعزة والغنا والجزاء الحسن .
ألا ترى إلى الغيث حين ينزل من السماء يخرج الله به ثمرات مختلفا ألوانها ؟ إن في ذلك لآية على التدبير وحسن التقديرودقة النظم ، وأن الله مهيمن على الخليقة .
وإذا نظرت إلى الجبال رأيت فيها جدداً بيضاً وحمراً وغرابيب سود ، وهي تشهد بطبقات الصخور في الأرض ذات الطبيعة المختلفة ، وتشهد أيضاً على السيطرة التامة .
وهكذا الناس والدواب والأنعام كل منها مختلف ألوانه ، واختلاف اللون مع وحدة الخصائص يشهد على حسن التدبير ، كما يشهد على أن الخليقة تختلف . وهكذا الناس ليسوا
من هدى القرآن — صفحة 309
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٩