وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 49 - 51 ] .
وهكذا كل من تعرض لضغط أولياء الشيطان عليه أن يتذكر الآخرة ليصمد أمامهم . وهذه التجلي الأول للثقافة التبريرية في الآيات ؛ أي ( الحتمية ) .
[ 22 ] والتجلي التبريري الثاني الذي يعالجه هذا الدرس ، هي ( الشفاعة ) التي تعني الاعتماد على قوى أخرى تنقذ الإنسان من نار جهنم كالأصنام ، وقد أقحمت هذه الأفكار في المسيحية تحت عنوان الفداء ، إذ كانوا في القرون الوسطى وإلى اليوم يذهبون للكنائس من أجل الحصول على صك الغفران .
ولا شك أن الاعتقاد بوجود منقذ غير الله يفرض على الله شفاعته صورة أخرى للشرك .
قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الشركاء ، وخضعتهم لهم ، وهم كما يبدو ثلاثة أصناف من الشركاء :
الأول : أصحاب الثروة ، الذي يظن الناس أنهم يرزقونهم ، وأنهم لما يظهر لهم من ثروتهم وملكهم يشاركون الله في ملكه للحياة ، والقرآن ينفي ملكيتهم ولو بمقدار الذرة المتناهية في الصغر لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ .
الثاني : أصحاب السلطة ، والزعم بأن شخصا أو نظاما يشارك الرب في إدارة الخليقة ، وتدبير شؤون السماوات والأرض ، وينفي السياق ذلك بقوة وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ .
الثالث : وسائط القوة والثروة ، من الجنود والخدم والوزراء ، والقرآن ينفي أن يكون للأنداد شرك حتى بهذا القدر وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ .
[ 23 ] وإنما كانت تعبد هذه الأصنام طمعا في شفاعتها وإن لم تملك شيئا ، إذ يزعمون أن لها وجاهة عند الله . وينقض القرآن هذا الاعتماد فيقول : وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الشفاعة هي الدعاء وما يترتب عليه ، والله ليس مجبورا أن يستجيب لأحد دعاءه في حق نفسه أو في حق الآخرين مهما كان هذا مقربا عند الله ، ويبين القرآن هذا المعنى في قول الله إلى حبيبه محمد صلى الله عليه وآله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] .
إذن لا مجال لفكرة الفداء في الرسالة الإلهية ، بلى ؛ إن الله شفيع للإنسان ، ويقبل شفاعة الآخرين فيه حينما تكون عنده مؤهلاتها ، حيث يقول ربنا سبحانه : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ
من هدى القرآن — صفحة 280
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٠