تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
السلب ، ومعناه سلب عنهم الفزع . قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ لعل السائل والمجيب هم نفس الفريق ، فسأل البعض عن مصير الناس ، وأجاب الآخرون ، إذ هم من يُكشف الفزع عن قلوبهم . فالكلام يكون خاصا بالذين يؤذن لهم بالشفاعة ، حيث ينزع عنهم الفزع حينما يؤذن لهم بالشفاعة ، بينما يبقى الآخرون في فزع عظيم حتى يُشفع لهم . فالشفعاء هم : عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ( 26 ) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 26 - 28 ] . ويحتمل أن يكون السائل هم الناس المتسائلين عن مصائرهم وإمكانية أن يُشفع لهم ، فيجيب من يؤذن لهم بالشفاعة ؛ بأن الشفاعة لمن ارتضى وبالحق : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [ طه : 82 ] ، واتخذ مع الرسول سبيلا : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [ الفرقان : 57 ] ، وأما غيره ف وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [ الفرقان : 27 ] . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فلا شفاعة إلا بإذنه . ولا يتبدل القول لديه . وفي الآية تفسيرات عديدة ، بيد أن ما ذكرنا أنسب إلى السياق من غيره في ما يبدو لي . [ 24 ] ثم يمضي السياق قدما في تفنيد الأفكار التبريرية ومنها الزعم بأن غير الله يرزق شيئا ، وسواء كان السلطان أو المترف أو غيرهما فإن ربنا ينفي أن يكون الرازق حقا غير الله . قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ من يرسل السحاب ، ويبعث بأشعة الشمس ، ويهدي الإنسان إلى طرائق الزراعة والصناعة ، ويرزقه القوة ؟ قُلْ اللَّهُ ثم يستفيد من أسلوب التشكيك المنهجي لإيصال الإنسان إلى الحقيقة : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وهذا الأسلوب يجعل الكافر يشكك في طريقه شكا منهجيا ، كما يشك - على الأقل - في صدق الرسالة ، مما يجره للبحث والتعرف ، وهذا بالطبع سيقوده إلى الحق ، مرحلة فمرحلة ، وإنما يبقى في الضلال الذي لا يشكك نفسه ، بل يعتقد جازما أنه على الصواب . وكما أن جزم الإنسان بأن طريقه هو الأصح من دون بحث وتدقيق خطأ ، فإن اعتقاده بصحة كل اعتقاد كما يدعي ذلك البعض هو الآخر خطأ .
من هدى القرآن — صفحة 282 | السيد محمد تقي المدرسي