تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وتنسف فكرة الاطمئنان إلى الدنيا بأن الدنيا مرحلة بسيطة في حياة البشر ، وتبطل الجبر بتأكيد إرادة الإنسان ومسؤوليته . وأول ما يعالجه هذا الدرس - الذي جاء لينقض جانبا من الثقافة السلبية - هو فكرة الحتمية ، فالكثير من الناس يسعون لتبرير واقعهم المنحرف ( السياسي ) كخضوعهم للسلطات الجائرة ومؤسساتها ، أو ( الاجتماعي ) كاستجابتهم لضغوط الآباء والمجتمع أو ( الاقتصادي ) كاستجابتهم للنظم الاقتصادية الفاسدة وما أشبه بفكرة الجبر والإكراه ، وإذا أراد البشر تحدي حتمية اتباع إبليس ، ومن يجسده في الدنيا ، فعليه أن يتسلح بالإيمان بالآخرة ، لأنه يعلو به على الحتميات . فلو هدده الطاغوت بالقتل إذا لم يتحول إلى خانع تابع له ، وعبد يسعى في خدمته وأهدافه ، لقال : قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ [ الأعراف : 125 ] ، وإذا توعده بالسجن قال : السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي [ يوسف : 33 ] . وهذا المنطق هو الذي جعل السحرة يستقيمون أمام جبروت فرعون وظلمه . بينات من الآيات : [ 20 ] حينما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أبى إبليس - الذي جمع معهم لعبادته - السجود تكبرا ، فطرده الله بعد أن حذر البشر منه ، فقال : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [ البقرة : 168 ] . لكن إبليس اكتشف نقاط الضعف في الإنسان من حب للمال والسلطان ، فظن في نفسه أنه قادر على إغوائه لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً [ النساء : 118 ] . والله يؤكد أن إبليس وجد لظنونه مصداقا بين الناس . وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ولعلنا نستفيد من هذا التعبير أن إبليس ظن أنه سوف يتخذ من أبناء آدم نصيبا مفروضا ، ثم سعى حتى جعل ذلك الظن الذي ظنه صادقا وذلك بإغواء الناس . بلى ؛ إن إبليس عدو خطير لأنه قد خطط سلفا للإيقاع بالبشر ، وسعى جاهدا لتنفيذ تلك الخطط . وهكذا اتبعه الناس أجمعون ، إلا مجموعة من الناس هم الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر . فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ولا يدل هذا الاستثناء ، على أن الفريق الآخر من المؤمنين اتبعوا إبليس ، إذ معنى مِنْ هنا التفسير والبيان ، أي اتبعه إلا فريقا وهم المؤمنون . ومن أهم مصاديق صرف الشيطان للإنسان عن الحق هو إضلاله عن اتباع القيادة
من هدى القرآن — صفحة 278 | السيد محمد تقي المدرسي