تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
الصادقة ، وهذا ما يفسر الروايات التي جاءت مؤولة الآية الكريمة بأنها تعني القيادة الرسالية « 1 » . [ 21 ] ولكن هل هو جبرٌ الانصياع إلى أمر إبليس ، حتى يبرر الإنسان انحرافه بأن لا حول له ولا طول تجاه ضغوطه وأساليبه الماكرة ؟ بالطبع كلا . . والله ينفي هذه الحتمية بعد الإشارة إلى عدمها ، من خلال تقسيم الناس إلى مطيعين لإبليس ومخالفين له ، إذ لو كانت حتمية تقضي بالخضوع له لما تمرد عليه فريق المؤمنين ، فالناس إذن هم الذين يقررون طاعة الرب أو اتباع إبليس . وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ يقهرهم به ، بلى إن وسائل الشيطان والطغاة كثيرة وماكرة ، ولكن الإنسان قادر على مواجهتها ببصيرة الإيمان ، وسلاح التوكل ، ولو تسلح بهما لما أضعفت نفسيته ولما ضللته وسائل الإعلام والتوجيه المنحرفة وغيرها . والله يؤكد أن الهدف في خلق إبليس ليس إضلال الناس ، فحاشا لله أن يريد إضلال عباده وقد خلقهم ليرحمهم ، وإن أراد ذلك لما بقي أحد مؤمنا ، وإنما خلقه ليمتحن الناس من خلاله إِلَّا لِنَعْلَمَ علما فعليا لا الذاتي واقعيا مستندا لفعل العباد مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وإلا فإن الله بكل شيء عليم ، يعلم بمعرفته وخبرته المطلقة المؤمن من الكافر . والآية تؤكد على الإيمان بالآخرة هو حجر الزاوية في مسيرة الإنسان وتحديد مصيره ، بل وفي إيمانه ، وبالتالي فإن شكه فيها يبعثه على الشك العام في سائر الحقائق . وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ يسجل للإنسان أو عليه كل عمل وحركة ، ويحفظها في كتابه الذي يلقاه يوم القيامة منشورا . ونستوحي من الآية أن ثمة سلطانا محدودا لإبليس على بني آدم ، لا يبلغ درجة الحتم بل يقف عند حدود الضغط ، وأن الحكمة من إعطاء إبليس هذا السلطان المحدود ابتلاء البشر ليعرف مدى إيمانهم بالآخرة ، فمن كان إيمانه بها ثابتا فإنه يثبت أمام إرهاب إبليس ومن يتبعه ويمثله من أولي القوة والثروة والتضليل ، ألا ترى كيف صمد السحرة بعد إيمانهم برب موسى وهارون عليه السلام أمام تهديد فرعون لأنهم كانوا واثقين من اليوم الأخر ، فلم يفلح إبليس وخليفته فرعون من النيل من صلابتهم شيئا . تعال نقرأ القرآن : قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
هامش
( 1 ) راجع نور الثقلين : ج 4 ، ص 333 - 334 .