بالإشارة إلى حديثه ، وفي القرآن الحكيم نجد بيانا للموضوعات التي يفصلها السياق بعدئذ عبر ألفاظ مجملة ، مما يدل على نزول الوحي من عند الله ، إذ لا يقدر أحد على التحدث بهذا الإجمال والتفصيل ، وبهذه الإحاطة غير الله .
وعند البحث عميقا في هذه السورة التي تبدأ بالحمد ، نجد إشارات وتجليات لاسمي الحكيم والخبير ، وحديثا عن جوانب من انعكاساتهما في الحياة ، وهكذا تبدأ المعارف الإلهية والقرآنية كما الدين بذكر الله ، وتنتهي إليه ، وفي الحديث :
( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ )
« 1 » .
وهكذا تتركز المعرفة ثم تتسع وتعود بعدها لتتركز مرة أخرى . في البدء نتعرف على أن ربنا حميد وحكيم وخبير ، ثم نفتش في الحياة وإذا بها تدلنا بما فيها من سنن وأنظمة على ذلك ، والنظرة الكلية للحياة ( الفلسفة العامة ) يجب أن توفر للإنسان الإجابة على السؤال التالي : ما هي السنن والأنظمة العامة التي تسير الحياة ؟ .
وبتعبير آخر : إن الحكمة ( الفلسفة ) هي التي تبصرنا بحقيقة أنفسنا ، وما يحيط بنا من الخلائق ، وبما تحكمها من سنن ثابتة ، وبالتالي تجعلنا قادرين على معرفة أفضل وعمل أصلح . وهذه الحكمة نجدها مفصلة في كتاب ربنا الحكيم ، وأكثر آيات الذكر تبصرنا بتعابير ميسرة يستطيع أن يستوعب مضامينها حتى الطفل الصغير ، وبشكل متكامل ، فقوله الحمد لله الحكيم الخبير يشتمل على حقائق كثيرة في الحكمة العامة ، لأنه يحدد بداية الكون ونهايته وهدفه ، وأنه قائم على علم ونظام يتجليان في كل جزء وجزء منه ، لأن خالقه هو الله الذي يملك السماوات والأرض حاضرا ومستقبلا مما يوجب علينا الحمد له في كل مكان وزمان .
والخبير هو المحيط بدقائق الأمور نظريا وعمليا ، ومن مصاديق خبره أنه يحيط علما بكل ما يلج في الأرض وما يخرج منها حتى الغازات التي تمتصها الأرض أو التي تلفظها ، يعلم الله وزنها وحجمها وطبيعتها ، كما يحيط علما بكل ما ينزل من السماء وما يعرج إليها ، وألطف ما يعرج هو النية الحسنة والعمل الصالح اللذان يرفعهما الله .
ثم يشير السياق إلى أحد تجليات الحكمة الإلهية ، حينما يذكرنا بأن الله عادل في جزائه للناس ، فالذي يعمل الصالحات يجازيه بالمغفرة والرزق الكريم ، بينما يعذب الذين يعملون السوء برجز أليم .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 1 .