يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ خارجون إلى ( البدو ) في الصحراء فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ ليعرفوا مصير المعركة حتى يتكيفوا معه ، فهم لا يصنعون الأحداث بل يتقلبون معها وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا مما يدل على أن المنافقين ينهزمون نفسيا بتلك التمنيات ، وعمليًّا بالفرار من بين المسلمين حفاظا على حياتهم ، ولو لم يحالفهم الحظ بالفرار والهزيمة ما كانوا يؤثرون في المعادلة أبدا ، لأنهم غير مستعدين للتضحية ولا للقتال المستميت .
وتدل هذه الآية : مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا على أحد معنيين :
الأول : أنهم لو كانوا في المسلمين لم يقاتلوا الأحزاب - على افتراض عودتهم - لأنهم يبحثون عن المعارك التي يكون فيها العدو ضعيفا وقليلا ، بحثا عن المغانم حيث يكون النصر فيها للمسلمين ، وحتى في هذه الحالة فإنهم لا يؤدون دورا أساسيا ، ولا يدخلون قلب المعركة .
الثاني : أنهم لو صادف مجيء الأحزاب للقتال مرة ثانية ، ولم يتمكنوا من الفرار فإنهم لن يؤدوا مهمات خطرة في القتال ، بل سيكتفون بالأدوار الهامشية التي لا تكلفهم شيئا من التضحية ، كما إنها تحافظ على شخصياتهم ومكانتهم في المجتمع المسلم .
قصة غزوة الخندق
وهذه النفوس المريضة أظهرتها ساعة الأزمة في غزوة الخندق ، التي نصر الله فيها الأمة الإسلامية نصرا عزيزا ، وكانت في أيام نشأتها ، والله يذكرنا بهذه الغزوة حتى نستفيد عبرا منها ، ويذكرنا بالنصر تذكيرا للأمة بأن ميلادها كان رهين تلك الحروب وبأولئك الأبطال الذين خاضوها ، وعلى سواعدهم جاء النصر .
ومع أن الأمة واقع قائم الآن إلا إنها لا تستطيع أن تنكر فضل أولئك الرواد الأوائل الذين ساهموا في صناعة الأمة وحافظوا على كيانها ، لذلك يجب أن تبقى قصة غزوة الخندق وسائر الحروب التي شهدتها الأمة في بداية انطلاقتها وفي أيام مخاضها راسخة في ذاكرة كل فرد من أبنائها .
والإنسان يتأثر بالتاريخ فهو ابن له ، وهو ينعكس عليه بصورة ما ، فإذا عرف تاريخه معرفة حسنة وسليمة ، وعرف محيطه بجميع أبعاده فإن أخطاءه سوف تقل ، أما لو كانت رؤيته للتاريخ غامضة أو ناقصة فإن حياته ستكون مليئة بالأخطاء ، ولذلك يذكر القرآن بهذه القصص والعبر التي خلفتها لنا أحداث التاريخ ، ونحن - بدورنا - نثبت هنا بعض ما جاء في السيرة من تاريخ الواقعة .
من هدى القرآن — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٨