المختلفة عن فطرتهم ، وإثارة عقولهم الدفينة ، وأمام هذه التذكرة ينقسم الناس إلى فريقين :
الأول : المؤمنون الذين يستجيبون للتذكرة ، لما يجدونه من توافق بينها وبين فطرتهم ، وما تهدي إليه عقولهم ، والآيات من حولهم .
الثاني : المعرضون ، ولا ريب أن لتلك الاستجابة وهذا الإعراض أثرا على نفس الإنسان وتفكيره وسلوكه ، فبينما يتجلى ذلك التصديق في صورة الشخصية الربانية ، التي تسعى نحو الخير والعمل الصالح ، يبرز هذا الإعراض في صورة الشخصية الشيطانية التي تسعى نحو الظلم والجريمة .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ولكن لماذا يصف القرآن المعرضين عن آيات الله بالظلم ؟ .
الجواب : لأن الذي يحفظ الإنسان عن الجريمة هو الدين ، بما يتضمنه من قوة معنوية ، وتشريعات صائبة تبعده عن الظلم بصوره المختلفة ، فإذا أعرض عن الدين سقط فيه . ثم إن الإعراض عن الدين بذاته ظلم ذاتي وعظيم لا يقع على الذات فقط ، وإنما يتجاوز إلى الآخرين أيضا ، أرأيت من يشرب سما كيف يظلم نفسه بإهلاكها ، ويظلم أقرباءه الذين يفجعهم بموته ، ويلحق الأذى بمن يعولهم .
هكذا المعرضون عن آيات الله ، سوف يعرضون أنفسهم لنقمات الله العزيز الجبار ، لأنهم يقترفون - بإعراضهم عن آيات الله ، وعدم تسليمهم لأحكام الدين وحدود الشريعة - يقترفون أعظم الجرائم ، التي لابد أن ينتقم الله منهم بسببها إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ .
[ 23 ] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ إن أسمى هدف لرسالات الله هو رفع الشك عن قلب الإنسان ، والأخذ بقلبه إلى مدارج اليقين بكل الحقائق التي يذكر بها الله في كتبه ، اليقين بلقاء الله ، واليقين بالموت ، واليقين بالجزاء . . . وذلك يعني تصفية العقل والنفس من آثار الأهواء .
ولن يؤدي المصلح هذا الهدف إلا إذا كان بنفسه بعيدا عن الشك ليكون قدوة للناس ، ولذلك نهى السياق من المرية في لقاء الله ، بعد أن أنبأنا عن الكتاب الذي آتاه موسى لأن كتاب الله يهدف التذكرة بالله ، وتأكيد حقيقة اللقاء بالله ، وهذا القرآن تذكرة بآيات الله فلا يحق لأحد أن يعرض عنها . فيعرض نفسه لانتقام الله الشديد .
واحتمل المفسرون معاني أخرى في ضمير مِنْ لِقَائِهِ : أيعود إلى موسى ويدل على
من هدى القرآن — صفحة 150
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٠