تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
يبصرها الإنسان قبل أن يسمع عنها . وهذا من أساليب المنهج الإلهي للوصول إلى اليقين ، إنه يدعو إلى النظر والتفكر في الآيات من حوله ، فخلفيات الأحداث التاريخية والاجتماعية ، كما تجليات الحكمة في آيات الكون ، وكدورة المطر منذ البداية حتى سقوطه ، كلها تشير إلى إله يدبر الحياة ، ويقدر أحداثها وشؤونها بقدرة مطلقة ، وحكمة بالغة . [ 28 ] فهو تعالى لا يستجيب لتحديات الكفار والمعاندين متى شاؤوا ، إنما حيث شاء ومتى أراد ، حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه . وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ تحديا للمؤمنين ، وتكذيبا برسالة الله ، أما المؤمنون فإنهم يثبتون على خطهم ، ولا يرتابون في وعد الله حتى لو تأخر بعض الوقت ، خلافا للطرف الآخر الذي يزيدهم الإمهال ريبا ، ويشكل لهم عقبة فكرية . [ 29 ] وينسى هؤلاء أن الإمهال لا يعني الإهمال ، إنما يعني أحد أمرين : الأول : أن الله يتيح لهم فرصة العودة للحق . الثاني : إذا لم يستفيدوا من هذه الفرصة ، فإن الإمهال سيكون وبالا عليهم ، لأنه حينئذ يستتبع مزيدا من العذاب - كما ونوعا - تبعا لتماديهم في العصيان - كما ونوعا أيضا - وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [ آل عمران : 178 ] . ويؤكد الله هذين المعنيين ، حيث يقول مخاطبا نبيه صلى الله عله واله : قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا من قبل ، وتحدوا الله ورسوله والمؤمنين ، حينما تقتضي حكمة الله نصر أوليائه ؛ إِيمَانُهُم لأن الإيمان الذي ينفع صاحبه ، هو الإيمان النابع من الوعي بضرورته ، لا من السيف أو العذاب أو المصلحة . وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ إن الإيمان الناتج لا عن وعي بضرورته ، بل بسبب عامل مؤقت يذهب أدراج الرياح بمجرد زوال ذلك العامل ، فالذي يكف عن السرقة والجريمة لأن أنظار الناس تراقبه وليس لوازع نفسي أو ديني ، فإنه يعود إليها بمجرد علمه أو ربما ظنه بأنه صار بعيدا عن أعين الناس ، وهكذا لا يتقبل الله ذلك الإيمان الذي يبادر إليه الكفار عند نزول العذاب ، بل لا يُمهلون . [ 30 ] وفي نهاية السورة يؤكد القرآن على المؤمن ، أن لا يربط مصيره بمصير الكفار ، فإذا