حمدا فبما خولهم من نعمه ؟ !
ويبقى السؤال : لماذا يكفرون بالله وهم يزعمون بأنه خالق السماوات والأرض ؟ .
إن هذا التناقض نابع من ذات البشر ، وسبحان الله أن يكون مصدرا لهذا التناقض ، فله الحمد في السماوات والأرض ، ومن له الحمد ليس ناقصا البتة . كلا . . فآياته مبثوثة في الأنفس والآفاق ، فلا ينكره من ينكر لقلة الآيات ، ولا حجة لهم عليه فقد أركز في أفئدتهم معرفته بالفطرة .
بلى ؛ إن جهلهم الذاتي ، وظلمهم ، وتراكم العقد النفسية على قلوبهم هو مصدر التناقض بين اعترافهم بالخالق وبين عدم شكرهم له .
[ 26 ] لأن الله هو الخالق فهو المالك ومن هو أعظم ملكا ممن خلق ولا يزال يتصرف في خلقه بما يشاء ، دون أن يسأله أحد عما يفعل .
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فهو المالك الحق ، أما الناس فإنهم إنما يملكون الشيء بقدر تمليكه وفي حدود منحهم صلاحية التصرف تكوينا وتشريعا .
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ومن الناس من يملك بحول الله وقوته ملكية محدودة فيسيء التصرف فيه فهو غني غير حميد ، بينما الله حميد في غناه لأنه يفعل الخير وما يستوجب الحمد والشكر .
والملاحظ : أن خاتمة الآية تكريس لفكرتها ، كما أن فاتحتها شاهدة على خاتمتها . فإن من يملك السماوات والأرض هو الغني لأنه المالك لهما ، وهو الحميد لأن كل النعم مصدرها السماوات والأرض ظاهرا ، فلنحمد خالقهما بدل أن نحمد من يملك جزءا منهما .
[ 27 ] وربنا العزيز المقتدر ، لأنه السلطان القاهر فوق عباده ، المهيمن على حركة السماوات والأرض ، والقائم بنظامهما ، وتصدر كلماته النافذة كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] بما لا تحصى عددا في كل ساعة ولحظة ويهبط قضاؤه الحتم في كل حدث صغير أو كبير ، حتى الورقة الواحدة التي تسقط في غابة كثيفة أيام الخريف إنما تسقط بعلم الله وأمره وكلمته ، وما تزداد الأرحام وما تغيظ إنما هو بعلم الله وقضائه وإمضائه ، وحركة جزئيات الذرة داخل عالمها الصغير العظيم ، ومكونات الخلية المتواضعة والعظيمة ، وخلجات الفكر ، ونبضات الأعصاب و . . .
وهذه هي العزة . أوليست العزة هي تجليات القدرة ، وتطبيقات المالكية ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 110
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١١٠