[ 22 ] قد يشعر الإنسان بنعم الله عليه ، ومن ثم يرى نفسه مسؤولا عن أداء الشكر له عليها ، ولكن يقف متسائلا : كيف يمكن لي ذلك ؟ ونجيبه عد إلى القرآن واقرأ : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ .
بأن يخضع له خضوعا مطلقا ، وبكل ما يملكه من الطاقات المادية والمعنوية ، ولكن أي خضوع ذلك الذي تدعو الآية الإنسان إليه هل هو الخضوع الذي يدعوه إلى السكون والخمول ؟
بالطبع كلا ؛ إنما تدعو إلى ذلك الخضوع الملئ بالنشاط والحركة فصاحبه من جانب يتوجه إلى الله بكله ، ومن جانب آخر يتفجر إحسانا وعطاء لعباد الله في سبيله .
وإذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة من الكمال ، بأن تصبح علاقته مع الله علاقة تسليم وخضوع ، ومع الناس علاقة إحسان وعطاء .
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ فمن جانب يكون هذا الإنسان قد تمسك بخط واضح وسليم في الدنيا فحظي بالسعادة ، ومن جانب آخر فإنه سيرجع إلى الله ليجازيه على شكره بتسليمه له وإحسانه للعباد .
ولعل تأكيد القرآن في آيات عديدة بأن التسليم لله هو التمسك بحبله المتين ، وبالعروة الوثقى يهدف إلى علاج عقدة مستعصية عند البشر هي عقدة الخوف من المخلوقات ، هذا الخوف الذي يدفعه نحو الخضوع للمخلوقين والشرك بالله العظيم ، بينما الرب يؤكد بأن من يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وأنه لا أمان للإنسان إلا بالتوحيد الخالص .
التسليم لله في الواقع لا يتحقق من دون التسليم للقيادة الشرعية المتمثلة في أئمة الهدى ، والرضا بولاية من أمر الله بولايتهم .
[ 23 ] وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وما دام الأمر كذلك فلماذا يحزن الإنسان نفسه ، هل لأن الآخرين على خطأ ؟ ! وإذ ينهى الله عن هذا الحزن فلأن المؤمن لو أدام حزنه على كفر الكفار فلربما يجره هذا الحزن شيئا فشيئا إلى طريقهم المنحرف ، فلكي لا يقع المؤمن في خطأ فظيع كهذا يوجهه الله إلى ضرورة تجنب الانفعال النفسي كما يفعله الآخرون .
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ فلا تخفى عليه خافية ، وإنما خصص بالذكر الصُّدُورِ بالذات لأن عمل الإنسان يخضع إلى مقياسين :
من هدى القرآن — صفحة 108
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٨