تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
أهواءهم ، والسبب أنهم لا يؤمنون حقا بالكتاب بل بأهوائهم ، ولولا أن الله جعل الدنيا دار ابتلاء وفتنة . إذن لأيد الفريق المؤمن بالكتاب وخذل المفسرين له بأهوائهم . ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ) حيث قضى بتأخير الجزاء يوم البعث ، أو ليوم انتهاء مهلة الفاسقين ونصرة المؤمنين عليهم . ( لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي بأسلوب آخر غير تنزيل الكتاب الذي لم ينفعهم ، ولم يوحدهم على الهدى بسبب طغيانهم واتباع أهوائهم ، والاختلاف في الكتاب دليل الشك فيه ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) . [ 111 ] والله لا ينظر إلى التبريرات التي يقدمها البشر لأعماله الضالة ، والتخريجات الدينية التي يتعب نفسه في تركيبها على أهوائه ، وبالتالي لا يعبأ بالتفسير الباطل للكتاب الذي يخدع نفسه به ، إنما ينظر ربنا سبحانه إلى حقيقة أعماله ، فيوفيه إياها وهو محيط علما بها وبخلفيتها ( وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) إن التأكيدات المتتالية في هذه الآية لدليل على أن البشر يخدع نفسه بالكتاب كما يخدعها بغيره ، وأن الله سبحانه يُذكِّره بأن خداعه سراب ، وأن عمله هو الباقي وحده .

فاستقم كما أمرت

[ 112 ] ولماذا يختلف الإنسان في الحياة أساسا ؟ . لأنه لا يرضى بحدوده وحقوقه ، بل يطغى ويحاول أن يتجاوز حدوده ، ويعتدي على حرمات الآخرين ، وحين يطغى الفرد يجرف بطغيانه القيم الإلهية التي وضعت في طريقه ، ويحاول أن يفسرها حسب أهوائه لكي يجعل قيم السماء جزءاً من معاملاته الفاسدة . من هنا كان من الصعب جدا على الناس مقاومة ضغط الأهواء باتجاه تفسير الكتاب حسب أهوائهم ، والاستقامة في خط الكتاب ، وتكييف أنفسهم حسب مقاييسه ، وجاءت كلمة القرآن حاسمة لتؤكد هذه الحقيقة . ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) وبعصمة الله ، وبحسن التوكل عليه استقام الرسول ، أما المؤمنون فإن معضلات الفتن ضغطت عليهم ، وحرفت مسيرتهم ، ولكنهم سرعان ما تابوا إلى الله فاستقاموا ( وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ) . أما سبب الانحراف وتفسير الكتاب حسب الأهواء ، وبالتالي الاختلاف فيه فهو