وجاء موسى فرعون وملأه بسلطان مبين ، إلا أن الملأ لم يتبعوا ذلك السلطان ، بل اتبعوا أمر فرعون غير الكامل ، وغير البالغ مستوى الرشد ، لأنه يقود قومه إلى بئس المقام وهو النار كما أن اللعنة تلاحقهم ، في الدنيا والآخرة ، بئس العطاء ، وبئست الضيافة والقرى .
هل ظلمهم الله ؟ كلا . . إنما ظلموا أنفسهم حيث اتبعوا فرعون وسائر الآلهة من دون الله سبحانه ، فلم تنصرهم الآلهة حين نزل عليهم عذاب الله ، وكان أخذ الله شديدا وأليما .
فمن خاف عذاب الآخرة اعتبر بأبناء القرى ، ومن لم يخف يوم القيامة حيث يجمع الناس وتشهده الملائكة فما عسى تنفعه الآيات والعبر ؟ .
بينات من الآيات :
[ 96 ] الأنبياء عليهم السلام يأتون إلى الناس لكي يستأدوهم ميثاق فطرتهم ، ويثيروا في أنفسهم دفائن العقول . ولا يحتاج الأنبياء إلى أن يأتوا إلى الناس بسلطان مبين ، أي معجز خارق ، ولكنه مع ذلك ترى أن رحمة ربنا سبحانه وتعالى ، تأبى إلا أن تتم الحجة على العباد بصورة قاطعة ، ولا يعذبهم إلا بعد أن تتم الحجة عليهم كاملة . ولذلك يقول ربنا : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) ذلك السلطان كان الثعبان الذي ابتلع حبال أولئك السحرة ، مما دعا السحرة أصحاب الحبال ، إلى أن يسجدوا لله رب العالمين ، ويؤمنوا بإله موسى وهارون ، كما كان السلطان أيضا اليد البيضاء التي كانت لموسى عليه السلام معجزة خارقة .
ولكن فرعون الذي أرسل إليه موسى وإلى ملئه الذين أحاطوا به ، رفض الرسالة .
[ 97 ] ( إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) اتبع أولئك القوم أمر فرعون الذي كان يعبد من دون الله ولم يكن أمر فرعون قائما على أساس العقل ولا على أساس التجربة ، إنما كان قائما على أساس الهوى والشهوات . وكم يكون الإنسان ظالما لنفسه حين يتبع من لا يتبع إلا شهواته . فإذا كانت الشهوات هي مقياس الطاعة ، فأولى بك أن تتبع شهواتك من أن تتبع أهواء الآخرين .
المقياس في الطاعة للغير هو أن يكون ذلك الغير أكمل عقلا ، وأفضل تجربة . أما إذا كانت أوامره أوامر طائشة ، قائمة على أساس الانعكاسات المرحلية الآنية ، ولم تكن قائمة على خطة عقلانية إيمانية سليمة ، فكيف يمكنك أن تطيعه .
يقول ربنا : ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) .