نفسه ووضع أمام قومه واقعا جديدا هو سلوكه : ( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ) .
ماذا لو أكشف سلامة رؤيتي ، وصواب طريقي ، وإنني على بينة واضحة أعطاها الله لي ؟ أفلا يكون من الخطأ عدم التفكر في ذلك أساسا ورده رأسا ؟ !
( وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ) فأخلاقه الفاضلة ، وسلوكه الحسن ، وإرادته الصلبة ، وصحته الجسدية ، وتكامله المعنوي بالإضافة إلى رسالات الله التي لا يشك أحد في أنها نعمة كبرى . كل أولئك شواهد على أن سبيله مستقيم .
( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ) فانأ أول من يطبق الرسالة كدليل على صدقي ، وقناعتي بها ، وعدم تكلفي فيها .
( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) فبالرغم من اختلاف الناس في مفهوم الصلاح والفساد في بعض الأبعاد التفصيلية ، فإن أكثر الناس يعلمون أن تقريب القلوب ، وتأليف التقوى ، والوفاء بالمكيال والميزان ، والاهتمام بالمحرومين والمستضعفين ، كل ذلك صلاح ، وأن الرسول يقوم شخصيا بفعل الصلاح ، ويضرب بذلك مثلا على حقيقة رسالته .
( وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) إن نسبة نجاح خطط الرسل تفوق كل النسب ، مما يكشف عن عامل غيبي غير معروف للنجاح ، وهو توفيق الله وسلامة الرؤية الرسالية ، وهذا بدوره دليل على صدق الرسالة ، كما أن وضع الخطط التي تعتمد على الغيب وتأخذ الغيب كعامل هام في معادلة الخطة ، دليل آخر على صدق الرسالة وهذا هو التوكل ، والرسول رجل غيبي ليس في تصرفاته وإنما أيضا في إنابته إلى الله ، وضراعته الدائمة ، وصلاته الكثيرة ، ورشده وحلمه ، وكأن شعيب عليه السلام من أكثر الأنبياء إنابة إلى الله حتى قالوا : إن كريمته قد ابيضت من كثرة البكاء خشية من الله ، وشكرا له .
إرهاصات العذاب
[ 89 ] وحذر شعيب قومه من العناد ، ومخالفة الرسالة لمجرد تحدي شعيب ، وحاول أن يفهمهم بضرورة التفريق بين الفكرة وبين قائلها ، فلو كانت سلوكيات الداعية أو أساليبه الإعلامية تثير فيهم الغضب ، فلا يجوز أن يظلموا أنفسهم بمخالفة الفكرة الصحيحة ، لأن ذلك سوف يسبب لهم متاعب كبيرة .