الآيات القرآنية الأخرى إلى هذه الحقيقة مثل قوله سبحانه : ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ) [ الكهف : 46 ] .
( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) [ آل عمران : 14 ] .
ثم قال شعيب : ( وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) أي لا تفتروا : بأن القائد قادر على منع العذاب عنكم من دون أن تفعلوا شيئا صالحا ، أو تغيروا ما بأنفسكم ، بل عليكم أنتم المسؤولية أولًا وأخيراً ، وربما أشارت الآية إلى حالة حضارية اعترت قوم شعيب كتلك التي تعتري الشعوب المتخلفة فيلقون كل المسؤولية على قياداتهم .
[ 87 ] ولكن قوم شعيب ظلوا على وضعهم الفاسد وعيروا شعيبا ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) وكأن عبادة الأصنام تحولت عندهم إلى دين مقدس لأنه من عمل الأباء ، ولا يجوز أن يعارضها شخص مؤمن كشعيب ، وكما عادة الأصنام كذلك سائر الأنظمة كالملكية الفردية المطلقة ( أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ) ونكسب المال بطريقة مشروعة أو غير مشروعة ، سواء نظلم الناس أو بالبخس عنهم ، وأن نصرف المال في أي وجه نشاء صلاحاً كان أم فساداً .
( إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ) ولستَ بشاب طائش يخالف تقاليد الآباء أو يعترف بحقوق أصحاب المال ومزاياهم ، ويبدو من حديث قوم شعيب أنهم قد ضلوا ضلالا بعيدا حتى رأوا المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، وأصبح الفساد دينا مقدسا عندهم وليس فقط سلوكا شاذا ، لذلك لم تنفعهم نصيحة شعيب عليه السلام .
من هدى القرآن — صفحة 73
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٣