ثانياً : تبديل العلاقة الاجتماعية السابقة التي كانت تعتمد على احترام حقوق الآخرين ، والتنافس البناء من أجل الحصول على خيرات الأرض بتعاون الجميع وثقتهم ببعضهم ، ولكنهم بدلوا ذلك بعلاقة الصراع ومحاولة كل فرد أو كل جبهة أو جماعة السطو على حقوق الآخرين ، مما يهدد محور المجتمع ، وأساس المدنية .
ثالثاً : تبديل علاقة الإنسان بالطبيعة من علاقة الإصلاح والتعمير والبناء ، والانتفاع المعقول إلى علاقة الإفساد والهدم ، والإسراف في الانتفاع أو الشذوذ فيه .
هكذا جاءت رسالة الله لأهل مدين على يد شعيب في لحظة التحول . حيث كانوا أحوج شيء إلى الهداية . فقال لهم شعيب عليه السلام : ( وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ) أي احترموا المكيال والميزان ، وليكن كيلكم ووزنكم بالعدل التام ( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) سواء كانت مادية أو معنوية ، وليكن همكم أداء حقوق الآخرين واحترامهم ، والاعتراف بمنزلتهم وكرامتهم دون أي نقص في ذلك ، ( وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) .
توجيه المستقبل
[ 86 ] وأضاف شعيب عليه السلام في توجيهه لقومه الجاهلين توجيها هاما يعتبر ضمانا لاستمرار الحضارة وحفظا لها من أسباب التدهور والزوال ، وهو التسامي عن جاذبية المادة ، والتحليق في سماء الإيمان ، والاعتقاد العملي بالمستقبل ، وبالتالي التسلح برؤية بعيدة فقال : ( بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .
ما هي بقيّة الله ؟ إنه رضوانه وثوابه .
والسؤال هو : كيف يمكن لقوم مثل قوم شعيب الحصول على الباقيات الصالحات ؟ إلا بترك الموبقات التي ذكرت في الآية السابقة ، ثم العمل في سبيل الله بإطعام المساكين ، وأداء حقوق الفقراء ، وبناء المساجد والمرابط ، والإنفاق من أجل بناء السدود والقنوات والطرق و . . و . . ، وكلما هو في سبيل الله . أليس كذلك ؟ ! .
والعمل بكل ذلك يوجب استمرار الحضارة في الازدهار للمستقبل ، وعدم الإسراف في استهلاك المكاسب الآن ، وكل حضارة تقوم بالازدهار في بداية تكونها ولكنها تتوقف عن الازدهار ، ثم تبالغ في الاستهلاك أنها تنتهي وتزول ، أما إذا استمرت الحضارة في العمل للمستقبل ، وفي إيجاد علاقة إيجابية وبناءة مع الناس ومع الطبيعة ، فإنها سوف تبقى وتستمر ، لذلك اعتبرنا هذا الأمر الإلهي الذي أظهره شعيب ضمانا لاستمرار الحضارة . وتشير بعض