وجذريا ، إلى درجة كانوا يتهمون بالجنون لولا أن كل تصرفاتهم وأقوالهم كانت تفيض بالحكمة والمعرفة ، فلو لم يكونوا متصلين بالغيب ، وواثقين من نصر الله لهم ، ومخلصين لقضيتهم فهل كان تحديهم غير الجنون ، إذا ذات التحدي كان أعظم شهادة على صدق رسالاتهم ، ولعل القرآن ينقل لنا تهم الطغاة للأنبياء بالجنون لنعرف هذه الحقيقة .
ولم يكن موسى مسحورا بل كان رسولا ، وعلامة رسالته تحديه لسلطة فرعون ، وإرهابه وتضليله لذلك قال :
[ 102 ] ( قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) إنك هالك يا فرعون فأنت تعلم أن الحق معي ، إلا أن فرعون ما كان يعلم عن نبوة موسى علم إيمان ، وإنما كان يعلم علم حجة ، بمعنى أن الحجة ثبتت عنده ، ولكن لم يؤمن ، وتلك الآيات العظام لا تجري على يد إنسان غير نبي لذلك قال ربنا : ( لَقَدْ عَلِمْتَ ) يا فرعون أن الآيات التسع وهي : خروج اليد بيضاء من غير سوء والعصا - والسنون - ونقص الثمرات - والطوفان - والجراد - والقمل والضفادع - والدم إنما هي من عند الله ولم تجر على يد إنسان عادي .
وقرئ : ( لقد عَلِمْتُ ) بالضم يعني موسى هو الذي علم كما يؤيد ذلك حديث يروى عن الإمام علي عليه السلام يقول : فيما معناه :
( كَلَّا لَمْ يَعْلَمْ فِرْعَونُ أَنَّ اللهَ بَعَثَ مُوْسَى بِتِلْكَ الرِّسَالَةِ ، إِنَّمَا مُوْسَى هُوَ الَّذِي عَلِمَ فَهُوَ وَاثِقٌ مِنْ أَمْرِهِ )
« 1 » .
والقرآن جعل الكتب السماوية بصائر تساعد الناس على رؤية الحقائق ، ولما كذب فرعون بتلك الحقائق كلها بصره موسى عليه السلام بخاتمته ( وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) ! .
[ 103 ] حينئذ ثارت ثائرة فرعون ( فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الأَرْضِ ) حيث أراد أن يزعج موسى عليه السلام بطرده مع بني إسرائيل ، ونفيهم من البلاد إلا أن الله سبحانه وتعالى وقف له بالمرصاد ( فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً ) .
[ 104 ] وهذا أحد معاني شهادة الله على صدق رسالات الأنبياء ، فقد أخذ الله سبحانه وتعالى فرعون وملأه ، ونبذهم في اليم فابتلعهم الماء كما يبتلع النهر الحصاة ( وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي
هامش
( 1 ) ذكر الطوسي في التبيان بعد ذكر وجوه قراءة ( عَلِمْتَ ) ، أن علمت بضم التاء قراءة الكسائي رويت هذه القراءة عن أمير المؤمنين عليه السلام التبيان ج 6 ، ص 526 . ونسب صاحب تفسير الصافي القول المذكور » كَلَّا لَمْ يَعْلَمْ فِرْعَونُ . . . إلخ « إلى صاحب مجمع البيان ) تفسير الصافي ج 3 ، ص 225 الفيض الكاشاني ( .