الأخيرة التي منحت لهم تراهم يكفرون بالله ، ويكفرون بنعمة الأجل ، بل يتخذون من تأخير الأجل دليلا على عدم العقاب ، أفلس ذلك منتهى الكفران بالنعمة ؟ ! .
بلى ، والسؤال لماذا هذا الكفران ؟ .
الجواب : لأنهم ظلموا أنفسهم . وظلموا الناس ، وتجاوزوا حقوق الله وحقوق الناس .
( فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً ) كلما ازدادت الجرائم حجبت القلوب عن الإيمان فيكفرون ، وهذه فكرة طالما تكررت في القرآن الكريم ، وهناك تجربة شخصية يمكن لأي شخص أن يلاحظها في نفسه فعندما يدفع الشيطان الإنسان إلى ارتكاب معصية ما تجد قلبه معرضا عن ذكر الله ، وخلال صلاته يكون مشغول البال ، أما حينما يكون القلب نظيفا فإنك تجده متصلا بنور الله سبحانه حتى في غير الصلاة .
[ 100 ] ( قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً ) الحاجز الآخر الذي يحجز الإنسان عن الإيمان هو ( البخل ) فالإنسان مجبول على الشح سواء كان غنيا أو فقيرا ، فلو كان يملك خزائن الله ، وخزائن رحمته التي وسعت كل شيء لقبض يده خشية الإنفاق .
لقد تكررت في سورة الإسراء المباركة مثل هذه الآية التي تذكرنا بطبائع الإنسان كقوله سبحانه : ( وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا ) [ الإسراء : 11 ] . وقوله ( وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً ) [ الإسراء : 67 ] . وقوله : ( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ) [ الاسراء : 83 ] . ولعل السبب يكمن في أن هذه السورة تبين فوائد الوحي ومن أعظم فوائده : شفاء البشر من طبائعه الضعيفة والمنحرفة ، ومن هنا ذكرت السورة ببعض هذه الطباع .
[ 101 ] ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْألْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ ) لقد كذبوه لأنهم نظروا إليه بمثل نظرتهم إلى نبيكم ، فقد كان راعيا ، ذا ملابس بسيطة وحين قال : إني رسول رب العالمين إليكم اتهمه فرعون بالجنون .
( فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً ) يبدو أنه زعم أن موسى قد ابتلي بالسحر لأنه كان شائعا في مجتمعه ، ولأن عواقب هذه الدعوة كانت تضر موسى ، ولا يقدم على مثلها عاقل .
هكذا كان يزعم فرعون ذلك الجبار الكافر بجبار السماوات والأرض سبحانه .
والواقع أن تحدي أنبياء الله لسلطات عصرهم وفساد مجتمعهم كان عظيما وشاملا
من هدى القرآن — صفحة 490
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٩٠