أما المؤمن فيشافيه الله بالقرآن الذي يكمل هذا النقص من طبيعة الإنسان ، ويجعله يعتمد على الله ، ويلهمه الصبر والأمل .
الشخصية ونهج العمل
[ 84 ] ويختلف الناس في مدى انتفاعهم بالوحي ، وينبع الاختلاف من شخصياتهم الداخلية ، التي تكونت بالصفات والعادات المتبانية .
وبالرغم من أن الله قد وهب للإنسان من القدرة والمعرفة ما يمكنه من صياغة شخصيته حسب ما يشاء ، إلا أنه لو لم يفعل ذلك فسوف يقاد بلجام شخصيته ، وستكون أعماله في تجاه شخصيته ، حتى مواقفه من المعارف الإلهية سوف تتأثر بنوع شخصيته ، وصفاته ، وعاداته وملكاته .
( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) الشاكلة مشتقة من كلمة ( الشكل ) . ويبدو أن المعنى المناسب لهذه الكلمة بالنظر إلى أصل معناها اللغوي وسياق ذكرها هنا هو الطريقة والمذهب ، أو الطبيعة أو السجية ، وبتعبير آخر الملامح والصفات الباطنة للإنسان التي تتحكم في سلوكه وما ينتج عنه من أفعال ومواقف وأقوال ، فيكون معنى الآية كل شخص يعمل حسب طريقته وطبيعته ، وبالتالي فإن مظهر عمله ينبئ عن مخبر ضميره ونيته ، وهكذا تكون أعمال الناس تعبيرا عن طرائقهم ، ومذاهبهم ، وطبائعهم ، وعاداتهم ، وعلينا أن نكتشف من خلالها نياتهم ، ونصبغ أعمالهم بها .
من هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام :
( وَالنِّيَّةُ أَفْضَلُ مِنَ العَمَلِ ، أَلَا وَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ العَمَلُ ،
ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ )
يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ )
« 1 » .
وقد تكون الأعمال متشابهة إلا أن اختلاف النيات ، وشخصيات العاملين ، وأهداف العمل يجعلها متناقضة ، فالصلاة والصيام والحج قد يقوم بها المخلص فتكون معراجا وجنة وجهادا أكبر ، وقد يقوم بها المرائي فتكون وبالا على صاحبها .
والله سبحانه وتعالى هو الحكم الذي يقضي بسلامة النية أو الغل فيها .
( فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ) وإذا كنت تحب عملا ، أو تهوى طريقة أو تعودت على سلوك ومذهب فلا يعني أن كل ذلك حق ، بل مقياس الحق والباطل هو الله الذي أوحي
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 16 .