ويبقى السؤال : كيف يمكن للإنسان أن ينظر إلى رسالة الله نظرة مجردة عن المواقف المسبقة ؟
الإجابة على ذلك : إن قوة العقل محدودة عند الإنسان ، فإذا تراكمت الشهوات على قلبه ، وتكاثفت غيوم الجهل والضلالة والخرافات عليه ، فإنه بحاجة إلى عملية صعبة ومجهدة حتى يتجاوز هذا الركام من الترسبات ، كما يحتاج إلى هزة عنيفة ليهدم البناء الفكري الفاسد ، ثم يقيم محله بناءً قويما وليس ذلك بالأمر اليسير .
ونتساءل : كيف تتصلب الإرادة ، وينمو العقل . وما هي الهزة العنيفة التي تهدم بناء الأفكار الفاسدة ، والمتراكمة فوق بعضها في قلب البشر ؟ .
الجواب : بالإيمان بالحياة الآخرة ، حيث أنها قوة التعادل ، وثقل السكينة عند الإنسان ، فمن آمن بالآخرة سَلا عن الشهوات ، وتعالى فوق الضغوط ، وتجاوز العقد النفسية ، وكل ذلك يحفظ قلبه عن الأفكار التي تمليها الشهوات والضغوط والعقد .
أما الذي لا يؤمن بها ، فإن الله تعالى يجعل بينه وبين القرآن حجابا لا يراه ، ولا يمكنه إذا اختراقه ، كيف ؟ .
فإذا قلبه مستوراً أن يفقه ، وإذا أذنه ثقيلة بالوقر وإذا به يهرب عن حقيقة التوحيد ، ويبحث عن الآلهة الكاذبة ، وإذا به لا يستمع - وهم يناجون بعضهم - إن هذا الرسول مسحور ، وليس بعاقل ، وبسبب هذه الأمثال يضلون الطريق ولا يهتدون إلى سبيل الحق .
وجذر مشكلتهم كفرهم بالآخرة إذ يقولون : هل نحن نعود إلى الحياة بعد أن نكون عظاما ورفاتا ، دعهم يكونون حجارة أو حديدا ، أو أي شيء كبير في نظرهم ، فإن الذي خلقهم أول مرة يعيدهم . أما متى ؟ فإن علمه عند الله فعسى أن يكون قريبا ، يوم يدعوهم الله ، فإذا بهم يستجيبون لداعي الله وهم يحمدون ربهم ، ويزعمون أنهم ما لبثوا في القبر إلا قليلا .
بينات من الآيات :
[ 45 ] ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً ) من الطبيعي أن الذين يتذكرون الموت ويؤمنون بالآخرة وما تشتمل عليه من ثواب وعقاب ، فإنهم يشعرون بالمسؤولية دائما ، وينظرون إلى القرآن نظرة واقعية بعيدا عن الرؤى والخيال ، بل نابعة عن موضوعية كاملة وتدبر ، ولذا فإن أفئدتهم بصيرة وبصيرتهم نافذة . أما الذين