أولًا ، ولسبب أخلاقي ثانياً ، ولأن الوفاء بالعهود يجري عليه حكم الشرع ثالثاً : والعهد واحد من أخطر مسؤوليات البشر في حياته .
[ 35 ] ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ) القسطاس المستقيم : هو البيع الذي لا غبن فيه ولا غش ولعل احترام الكيل يدل على أكثر من احترام حقوق الناس ، حيث يدخل ضمن احترام قوانين البلد وعدم الخروج عليها لمصلحة ذاتية .
( ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) فهذا أمر حسن فطريا واجتماعيا ، وأحسن نهايةً وعاقبةً ، لأن الغش لو ساد مجتمعا فستحل به كارثة لا يمكن التخلص منها . ثم إنك لو تجاوزت حقوق الناس أفلا تخشى أن تسلب حقوقك أيضا .
[ 36 ] ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي تتبع أمرا لا تعلم مبدأه ومنتهاه ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) حيث تؤكد هذه الآية على مسؤولية جوارح الإنسان التي يجب أن تتحرك حسب مقياس صحيح وأن مسؤولية قلب الإنسان عن أفكاره وهواجسه وظنونه وحسده وحقده وجوارح الإنسان عن غمزها ولمزها ، والغيبة والنميمة .
إنها لأعظم مسؤولية اجتماعية ولو سما المؤمن إلى مستوى ضبط فؤاده وسمعه وبصره فيما يخص علاقته بالمؤمنين لكان جديرا بأن يدخل جنات عدن . .
[ 37 ] ( وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ) الإنسان المرح هو الذي يعيش حياة اللامسؤولية وما يتبعها من ظواهر كالفراغ واللهو واللعب والتكبر على الآخرين .
( إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ) فإنك لن تقهر الطبيعة فتشق الأرض ، وتخرقها ، أو تبلغ الجبال عظمة .
[ 38 ] ( كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) يبدو أن تفسير هذه الآية إنه ينبغي للإنسان أن يتكبر أحيانا وذلك حينما يقابل الظالم الجائر حتى لا يشعر بأنه ضعيف أمامه ، لذلك يؤكد القرآن بأن السيئة ( مكروهة ) - فيكون ما عدا السيئة غير مكروه - فالتكبر على المتكبر ليس مكروها ، بل هو مستحب ، وفي الحديث :
( التَّكَبُّرُ عَلَى المُتَكَبِّرِيْنَ هُوَ التَّوَاضُعُ بِعَيْنِهِ )
« 1 » .
[ 39 ] ( ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ ) والحكمة هي الجانب العملي من العلم ، وهنا تعني السلوك الحسن ( وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ) لا تتخذ لنفسك إلها غير الله فتلقى في جهنم . يلومك الناس ولا ينصرك الآلهة ، وهذه الآية تشير إلى أن
هامش
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 20 ، ص 298 .