صنع لنفسه قوالب ثقافية معينة يضع كل معلوماته الجديدة فيها فلا يزداد بالحقائق إلا ضلالا ، ربنا يقول : ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ) ولعل ( الباء ) هنا للاستعانة وتعبر عن تلك الأحكام المسبقة والقوالب الفكرية الجاهزة التي بها يستمعون إلى الحقائق فيفسرونها حسب أهوائهم والآيات التالية توضح تلك القوالب :
( إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) كانوا يبررون مواقفهم بحجج واهية يقولون إنه مسحور وليس بساحر يمارس الكذب والدجل بينما كانوا يدعون الرسول صلى الله عليه وآله ( بالصادق الأمين ) فلم يبق هناك مجال للتهمة سوى القول بأنه مخدوع بسحر الساحرين فهو مسحور . ويسفه القرآن هذه التهمة فيقول :
[ 48 ] ( انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) لأنهم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وآله تهما واهية وأضلوا الطريق ، وانحرفوا عن الجادة ، وبذلك صاروا لا يفقهون آيات القرآن ولا يعرفون مغزاها ، ولا يهتدون إلى سبيل الحق .
وكما قلنا سلفا : إن الإيمان بالآخرة ضمان للتفكير السليم في الحياة ، وإن الكفار لم يكتفوا بإنكار الآخرة ، وإنما كانوا يسعون لتبرير اعتقاداتهم بأفكار سخيفة ، وشبهات واهية ، ومنها الشبهة التالية :
[ 49 ] ( وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) إذا كان الإنسان مبعوثا يوما ما فلم يصبح رفاتا أي خلقا يتلاشى ؟ .
هذا ما كان يتساءل الكفار عنه مستنكرين فأجابهم الله :
[ 50 - ( [ 51 قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ) فسواء كنتم حجارة أو حديدا أو أي شيء آخر ، تتصورونه في أذهانكم كبيرا كالجبال والبحار والصحاري وما إلى ذلك .
( فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وبديهي أن الخلق ثانية أهون من الخلق ابتداء . ولعل الكفار كانوا يزعمون أن الحديد والحجر لا سبيل إلى التحكم فيهما ، باعتبارها صلبة ، وليس كاللحم والعظم - في نظرهم - أو يزعمون أنهما أبعد عن الخلق باعتبارهما جامدين بخلاف البشر المركب من مواد حية .
وأجاب السياق عن شبهتهم بأن كلامهم يخضع لمقاييس المخلوقين أما الخالق فهو على كل شيء قدير .
من هدى القرآن — صفحة 442
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٤٢