تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
[ 79 ] وأشرف العلم معرفة الله ، ولا تتم المعرفة من دون الإيمان ، إذ تبقى الشهوات وصفة الشرك كالسدود المنيعة التي لا تدع تيار المعرفة ينفذ إلى القلب . إن الجاحد لا يرى في الطيور التي تسبح في الفضاء إلا ما تسجله أداة التصوير ، بينما المؤمن تنفذ بصيرته إلى معرفة الله الذي أمسك الطيور في جو السماء . ( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أي في الهواء المحيط بالأرض ، ولولا الهواء لما كانت الطيور قادرة على البقاء في الجو ، ولولا الجاذبية المحيطة بالأرض لقذفت الطيور بمجرد صعودهن في كرة أخرى ، أو في الفضاء اللامتناهي . [ 80 ] وهكذا القلب المؤمن الذي أسلم لله يعرف ما وراء نعم الله من عبر وأهداف . ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ) أي محلا تسكنون إليه ، ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ) أي بيوت الجلد التي هي خفيفة للسفر والحضر ، ( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا ) أي أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز ( أَثَاثاً ) كالفراش والدثار التي يتمتع بها الإنسان لأجل مسمى ( وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ ) . [ 81 ] تلك كانت نعمة السكن ، وأمتعة الإنسان التي تحفظ البشر من اختلاف الحر والبرد ، وظلال الأشجار تقي السائر في الصحراء حر الظهيرة ، والكهوف تحمي الإنسان من عادية البرد والحر ، ومن الوحوش الضارية . ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا ) كالأشجار التي أنبتها الله في الأرض ليستظلها الإنسان ، ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَالِ أَكْنَاناً ) أي مواقع تستترون فيها ، ( وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ) فهناك ملابس السلم تقي حر الجو ، وملابس الحرب ( كالدروع ) تقي حر السيف . ( كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) هكذا يحوط الله برحمته الواسعة الإنسان الضعيف ، ليعلم حاجته إلى ربه ، فيسلم إليه وجهه ، ولا يتجبر عليه . إذا الهدف الأسمى لنعم السكن وما يحفظ البشر من شرور الطبيعة هو : دفعه إلى التسليم لربه ، ليحافظ بذلك على نفسه من غضب الله .
من هدى القرآن — صفحة 356 | السيد محمد تقي المدرسي