( وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ) كلا . . الذي أعطاه الله الحرية وزوده بحب الخير فهو لا ينفق رياء ، ولا يكتم إنفاقه عن الناس خوفا ، بل ينطلق في إنفاقه من إرادته الحرة ، يستهدف مرضاة الله ، ولا يرجو ولا يخشى أحدا .
( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) الذي هيأ للإنسان كل فرص الخير ، ووفر له الحرية الكاملة ، وزوده بالأحاسيس الخيرة ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) والجهل آفة الحرية ، ولأن الجهل يتفشى في الأمم الضالة ، فإنه يسهل استعبادهم من قبل الطغاة .
ظلام الجبت
[ 76 ] كان لك مثلا ضربه القرآن الحكيم من واقع شخص سلبه الطاغوت حريته ، وحوله إلى موجود عاجز ، ويضرب الله مثلا آخر من واقع من يسلبه الجبت حريته ، فإذا به كالأبكم الذي ولدته أمه وأذنه صماء لا تسمع شيئا ، فلم يتعلم اللغة ولم يتفاعل مع الحضارة ، وبقيت تجاربه محدودة بحدود ذاته ، كالإنسان الذي ينمو في غابة ، هل يستوي هو ومن أوتي العدالة والاستقامة ؟ .
( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ ) أي ثقيل على من يلي أمره ويشرف عليه . . ( أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ ) كلما يبعثه إلى مكان لا ينفع شيئا .
( هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) فهذا الذي يأمر بالعدل فصيح اللسان قوي الجنان لا يخضع للضغوط ولا يخشى من التهديد ( وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فهو قادر على أن يحقق أهدافه من أقرب الطرق أن هذان مثلان للمشرك والموحد ، فبينما المشرك منغلق على ذاته ، لا يكاد ينفتح على العالم من حوله ، بل يجحد بآيات الله ويعبد ذاته ، ولا يسمع ولا يعقل ولا يتفكر ، ولذلك فهو ليس فقط لا يقدر على التخطيط السليم لنفسه ، بل إذا خطط الآخرون له شيئا لا يقدر على إنجازه ، أقول : بينما المشرك هكذا ، ترى الموحد ليس فقط عادلا بنفسه ، بل ويقود الآخرين نحو العدالة .
وهذان المثلان يمكن تطبيقهما على الجاهل والعالم أيضا ، لأن السياق يتحدث عن العلم أيضا .
[ 77 ] والعلم والقدرة عند الله ، والعلم مفتاح القدرة ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) ولعلمه المحيط بكل شيء ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ) فهو يأمر بها في أقل من رمشة العين فتأتمر ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ومن أراد العلم والقدرة ، فعليه