تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
مسودا لزيادة الغضب الذي يكظمه ، وتراه يتخفى عن الناس ، وهو متردد هل يخفي ابنته في التراب أم يبقي عليها على ذلة وهوان ؟ . وساء ما يصفون به ربهم . إنهم لإفتقارهم إلى مقياس الحق ، وذلك بسبب كفرهم بالآخرة ، يتخذون أسوأ القدوات لأنفسهم . فدعهم في غيهم - بالرغم من نسبتهم السيئة لله - فإن الله لو أخذ الناس كلما ظلموا أنفسهم ، لما ترك عليها من دابة ، ولكنه - ولحكمة - يؤخرهم إلى أجل مسمى ، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون . وتراهم يصفون ربهم بما يكرهون لأنفسهم ، ويزعمون أن لهم الحسنى بينما ليس لهم إلا النار ، وأنهم مجموعون إليها ، وهذا ليس خاصا بهم ، فلقد بعث الله الأنبياء بهذه الرسالة للناس ، فزين لهم الشيطان أعمالهم ، وهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم .

بينات من الآيات :

الشرك عبودية وذل

[ 56 ] الشرك عبودية وتقيد ، وفقدان لإستقلال البشر وحريته أمام قوى الطبيعة أو القوى الاجتماعية ، ويتجسد الشرك في الأغلال التي يضعها الإنسان لنفسه باسم الأنظمة والقوانين ويقيد بها حياته ، وعادة ما يقدس البشر هذه الأنظمة . وبكلمة : الشرك هو تنازل طوعي عن رزق الله لمصلحة الطبيعة أو لمصلحة مراكز القوى ( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ ) من الأصنام ، ورؤساء القبائل ، وقادة التجمعات غير الربانية ، وقوى التسلط ، وكلما لا يعلم الإنسان أن الله أمر باتباعها ، وأن في اتباعها مصلحة الإنسان الحقيقية ، يجعل المشركون لهؤلاء . . ( نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) أي : جزءاً من نعم الله ، وذلك بسبب جهلهم بواقع الأصنام الحجرية والبشرية ، وإنها لا تملك لهم شيئا ، والله لا يرضى أن يتنازل البشر عن حريته وكرامته وعن حقوقه شيئا ، لأنه هو الذي رزقه له لا لغيره ( تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) . [ 57 ] للحياة مثلان ، وفيها خطان ، الأول : مثل القيم السامية الكريمة ، وخط القوة والعلم والحرية ، والثاني : مثل الشهوات والأهواء ، وخط الضعف والجهل والعبودية . والمشرك يجعل نفسه محور عقيدته ، فيقيس العالم كله بما يشتهيه ويهواه ، وتنقلب عنده
من هدى القرآن — صفحة 340 | السيد محمد تقي المدرسي