وشهواته ونزعاته الفردية والإقليمية ، والاستكبار على الناس ، وظلمه للضعفاء ، ويجعل خيالاته وأساطيره الموروثة ، يجعل - بالتالي - كلما يتصل بجانب الضعف والعجز والاستسلام مثلا أعلى لنفسه ، لأنه لا يرى أن هناك يوما يطبق فيه الحق بلا لبس ولا خداع ولا نقيصة ، فلماذا البحث عن الحق ؟ ولماذا يجعله أساسيا لحياته ، ومقياسا لتقييم الأشياء ؟ .
وشيئا فشيئا يرحل عن قلبه ذلك الضوء الذي كان يهديه أبدا للحق ، فلا تبقى في قلبه إلا ظلمات الشهوات ( لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ) وهذه الآية الكريمة تشهد بما شهدت به الآية الأخر في سورة ص : ( فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) [ ص : 26 ] .
فلقد كان نسيان الحساب ويومه سببا للضلالة .
( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) إن أعلى مثل يتطلع لتحقيقه البشر ، هو الوصول إلى القوة والفضيلة ، لكي يحقق الفضيلة بما يملكه من قوة ، والله عزيز وحكيم ، ومن يتبع مثل الله فهو يصل إلى العزة والحكمة بإذنه .
والقرآن يهدي بهذه الكلمة إلى ما يحب به كل منا بوجدانه ، إذ أن هناك خطين : خط الهدى والعقل ، وخط الظلم والطغيان . ومن يؤمن بالآخرة سيصل بإيمانه بيوم الحساب إلى الخط الأمثل .
حكمة الأجل
[ 61 ] ولكن لماذا يترك الله العزيز الحكيم الناس يخالفون الحق ، بل ينسبون إلى الله الأمثال السيئة ؟ أفلا يدل ذلك على رضا الله بما يفعلون ؟ كلا . . إنما هي حكمته ورحمته .
( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) إن كل دابة في الأرض تظلم في أي وقت وبالنسبة إلى أي شيء ، تكفي سببا لعذاب الله ، ولأن الله الذي خلق الأحياء للإنسان وسخرها له ، فإن ظلم الإنسان يكفي سببا في هلاك الدواب جميعا ، وهكذا أغرق الله فرعون وجزء من دوابه ، وأهلك الله عادا وثمود والمؤتفكة وقوم لوط بدوابهم ومواشيهم .
[ 62 ] ويكفي الجاهليين ذنبا ما يفترون على الله ، أفلا نرى كيف يجعلون لله تلك البنات التي يكرهونها لهم ؟ ! ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمْ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمْ الْحُسْنَى ) ويزعمون أن الأولاد الذكور شيء حسن ، وأنهم لهم ، كلا . . أن الأولاد فتنة ، وعدم
من هدى القرآن — صفحة 342
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٢