له ألما جسديا ونفسيا ، وربما كان هذا اللون من العذاب هو الأكثر ألما ، ولذلك طمأن ربنا عباده بأنه رؤوف رحيم ( فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) فبالرغم من استحقاقهم العذاب التدريجي ، إلا أنه يتابع نعمه عليهم برأفته ورحمته .
آيات الخلق وحقيقة العبودية
[ 48 ] لماذا الشرك بالله العظيم ؟ أوليس الكون كله ساجد لله ، خاضع لمشيئته ؟ ! .
( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ ) أو لا يرون ناظرين ما خلق الله من أشياء ! ! .
( مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ) أي يتحرك ظلاله من اليمين إلى اليسار . يقول الطبرسي : ( التفيؤ التفعل من الفيء ، يقال فاء الفيء يفيء إذا رجع وعاد بعدما كان ضياء الشمس قد نسخه ) ، ويضيف قائلا : ( الفيء ما نسخه ضوء الشمس ، والظل ما كان قائما لم تنسفه الشمس ) ، ويستنتج من ذلك أن معنى الآية يتميل ظلاله عن جانب اليمين وجانب الشمال ( عَنْ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ) وربما جاء السياق بلفظ اليمين مفردا بينما جمع الشمائل ، لأنه قد اتخذ جانب اليمين مبدأ الحركة ، بينما جعل جانب الشمال مآلها ، والحركة تبدأ من مكان ولكنها تسير في أماكن مختلفة .
( سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) كل شيء يسجد لله داخرا خاضعا صاغرا ، بالرغم من أننا نراها وكأنها واقفة ، حيث لا يتحرك الا ظلاله فقط ، ولكنها في الواقع تسجد لله ، تسبحه وتستجيب أوامره ، وفي السجود معنى لا نفهمه من الخضوع وهو معنى الفعل .
[ 49 ] وكما الأشياء الجامدة التي تتحرك حولها الظلال وهي جامدة ظاهراً ، لكنها تسجد لله ، كذلك الأحياء في الأرض والملائكة في السماء ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) بالرغم من عظمتهم بالنسبة إلينا نحن البشر الذين نستكبر ونتحدى إرادة الله .
[ 50 ] وكل شيء يخشى ربه الذي يشعر أنه فوقه قاهره ( يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ) .
العذاب يأتي من فوق وكذلك الثواب ، يقول ربنا : ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) [ الذاريات : 22 ] ، وهذا هو شعور الفرد أيضا تجاه ربه المحيط به علما وقدرة . . ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) .
[ 51 ] ويبقى الإنسان بين الخلق أجمعين يخضع لما هو خاضع لله ، يخضع للشمس والقمر
من هدى القرآن — صفحة 336
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٣٦