ومن جهة ثالثة : العلم بالآخرة ، يجعلنا نؤمن بأن هناك حقا ثابتا في هذا العالم ، وأننا سوف نعرفه ونحاسب على أساسه في يوم ما لذلك لابد أن نبحث عنه وأن نجعله هو المحور لتفكرنا وعملنا .
وفقدان محورية الحق يشبه سقوط قاعدة البناء ، كل شيء فيه ينهدم ، فإذا لم يكن هناك حق وباطل واقعيان ، وإذا لم يكن هناك حسن وقبح عقليان - حسب تعبير الفلاسفة - فلماذا ترانا نبحث في العلم ؟ وما هو المقياس في الصراعات ؟ هل المقياس هو الأنا ، أم الأقوى ، أم ماذا ؟
ويبدو أن الآيتين توضحان هذه الحقيقة :
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) القسم فيما لا يعلم الفرد دليل على تأكيده على جهله وفراره من العلم بالحق ، وإلا فلماذا التأكيد على القسم على أن الله لا يبعث الموتى ؟
( بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) إن وعد الله حق ، وقد وعد أن يبعث من يموت ، وأكثر الناس لا يعلمون ذلك .
يقول العلامة الطباطبائي : ( أي لا يعلمون انه من الوعد الذي لا يخلف ، والقضاء الذي لا يتغير لإعراضهم عن الآيات الدالة عليه ، الكاشفة عن وعده وهي خلق السماوات والأرض ، واختلاف الناس بالظلم والطغيان ، والعدل والإحسان ، والتكليف النازل في الشرائع الإلهية ) « 1 » .
وقال البعض : ( إن المعنى لا يعلمون وجه الحكمة في البعث فلا يؤمنون به ) « 2 » .
ويبدو أن القرآن ، ينفي علم أكثر الناس كعلم ، لكي لا تتخذ الأكثرية مقياسا ، بل يكون المقياس هو الحق الذي يتبين في الآخرة ، وتنتهي الآية إلى بيان حقيقة العلم ومقاييسه ، والله العالم .
لماذا البعث ؟
[ 39 ] من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق ، وكشف زيف الكفار ، وهكذا يكون من حكم الزمان بالآخرة ، الإيمان بوجود مقياس ثابت للحق ، يرجع إليه الناس ، فيحكم بينهم
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 12 ص 247 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 6 ص 467 .