إليها لكي نصل من خلالها إلى معرفة الله سبحانه ، لأن الغاية التي خلق الله من أجلها هذا الكون هي معرفته في الدرجة الأولى ، وآيات الله في الطبيعة أقرب ما تكون إلى الانسان وتصوره ، لأن الإنسان تراب ويحن إلى أصله ، وكل شيء في الكون تجسيد لأسمائه سبحانه ، وينحرف الإنسان إذا ما اتبع عقله في كشف حقائق الكون .
وهذا الدرس يذكر ببعض صفات الله ، ويذكر الإنسان بهذه الحقائق التي يغفل عنها وينساها دائما فالله سبحانه يعلم ما تحمل الإناث في بطونهن من ذكر أو أنثى - ليس ذلك فحسب - بل يعلم تفاصيل حياة الجنين وما يحمل من صفات وراثية وغيرها ، وعلم الأجنة هو أحد العلوم الخمسة التي لا يعلمها غيره ، قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) [ لقمان : 34 ] .
وعلم الله لا يقف عند حدود الأجنة ، بل هو يعلم كل مكنون من القول وكل ظاهر منه ، وكل من سار بالليل أو سرب في النهار ، وعلم الله ليس الشهود وحده أو الغيب وحده ، بل علمه محيط بهما معا ، فعلمه بالغيب كعلمه بالشهادة ، وكيف لا وهو مع كل شيء ، وأقرب إلى كل شيء من أي شيء ، وهو معنا أينما كنا ، وأقرب إلينا من حبل الوتين ، فسبحان الله الكبير المتعال : أكبر من التصور ، متعال عن مجانسة الخلق .
ومن آياته أن جعل مع كل نفس ملائكة تحفظها من الأخطار ، فإذا جاء أجلها خلوا بينها وبين الأجل . . ألا يدل ذلك على رحمة ربنا ، وأنه أرحم بنا منا ، وأنه كيف نحفظ أنفسنا ونحن لا نستطيع أن ندفع عنها ضرا أو نجلب لها نفعا ، ولو قلنا بأننا نستطيع أن ندفع عن أنفسنا حال غفلتنا وانشغالنا ، إذن فالإنسان ليس سيد نفسه ، بل الله سيده على نفسه ، وإن له الولاية المطلقة ، ولكن الله سبحانه مع حفظه للإنسان يسمح بمرور العذاب والبلاء بمقدار ما تستحق كل نفس ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) .
ومن آيات الله أن يرافق السحب الثقال البروق والرعود خوفا من عقابه ورجاء لرحمته ، فهذا الرعد الذي يسبح بحمده يهز ضمائرنا ، ويذكرنا بعظمة الجبار ، وسر عظمة الرعد أنه خاضع لله ، مسبح بحمده ، وليس الرعد وحده هو الذي يسبح بحمده ، بل إن الملائكة التي تقوم بأمر الرعد والسحاب تسبح كذلك خشية منه . . لأنه شديد المحال .
أبعد هذه الآيات يكفر الإنسان بالله ويشرك به غيره ؟ ! إن هو آمن بالله وفقه للخيرات ، وإن أشرك به لم يوفق للخيرات ولن يصل إلى غاية حميدة فسوف يبقى في عطش ، ولن ترويه
من هدى القرآن — صفحة 187
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٧