على أن أعمارنا كذلك ؟ وإذا لم نصدق بأن أعمارنا ستنتهي عند حد معين لوجود موانع نفسية تمنع هذا التصديق ، ألا يعني ذلك أنه لا بد أن تنتهي أعمارنا عند أفول الشمس والأرض والقمر إلى الأبد ؟ هذا إذا تصورنا أن أعمارنا بقدرعمر الشمس والقمر ( الآيات : 1 - 2 ) .
إن السياق القرآني العام يذكرنا بطبيعة النظام الموجود في الكون ، وأن في هذا النظام دلالة واضحة على قدرة ربنا سبحانه .
وكما أن في كلية الحياة عبرة ، فإن في تفاصيل الحياة عبر أخرى .
وتفاصيل الآيات الربانية كفيلة بتنبيه الغافلين ، ذلك لمن ألقى السمع وهو شهيد . ولكن رغم كثرة الآيات وانتشارها في أرجاءالكون ، يبقى الإنسان يرتاب في قدرة ربه على إحيائه بعد مماته .
ومهما يكن ؛ فإن المشكلة العتيدة لدى الإنسان هي منهجية التفكير الحاكمة على عقله ، وإذا صحت هذه المنهجية ، استطاع أن يفكر تفكيراً سليماً لا يمنعه حجاب عن الوصول إلى المعرفة التي تزوده بالحكمة . والقرآن الكريم عبر آياته في هذه السورة المباركة يهدف إلى إصلاح منهجية الإنسان في التفكير بعد أن يبصره بالقوى الضاغطة عليه ، كما أنه يصوّر لنا الطبيعة من جديد ، حتى يلفتنا إليها وكأننا لم نرها من قبل ( الآيات : 3 - 7 ) .
ثم تذكّر السورة ببعض صفات الله ، فهو يعلم ما تحمل الإناث في بطونهن ، ويعلم تفاصيل حياة الجنين وصفاته ، كما يعلم كل مكنون من القول وكل ظاهر منه ، ويعلم كل من سار بالليل أو سرب بالنهار ، وهو يحيط علماً بالغيب والشهود ( الآيات : 8 - 10 ) .
ومن آياته أن جعل مع كل نفس ملائكة تحفظها من الأخطار ، فإذا جاء أجلها خلّوا بينها وبين الأجل . وأن الإنسان لا يستطيع أن يرد عن نفسه ضراً أو يجلب لها نفعاً من دون إرادة الله ( الآية : 11 ) .
ومن آيات الله أن يرافق السحب الثقال البروق والرعود خوفاً من عقابه ورجاءً لرحمته . فالرعد الذي يسبح بحمده يهز ضمائرنا ويذكرنا بعظمة الجبار ، والملائكة تسبح كذلك خشية منه . أبعد هذه الآيات يكفر الإنسان بالله ويشرك به غيره ؟ ( الآيات : 12 - 14 ) .
كما تكشف هذه السورة أن الفرق بين من يؤمن بالله ، وبين من لا يؤمن به ، كالفرق بين البصير والأعمى ، والنور والظلمات . وأن المؤمن عندما يتصل بالله يتحول من لا شيءٍ إلى شيءٍ يشار إليه ، ولأن الله مهيمن على كل شيء وبه تقوم الأشياء ، فإنه كلما كان الإيمان أعمق ، كلما
من هدى القرآن — صفحة 172
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٢