تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وجاء يوسف عليه السلام وتحدث معه الملك ، فعرف رشد عقله ، واكتمال شخصيته من خلال كلامه . وكما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ( المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ ) « 1 » . لذلك خول إليه المناصب الهامة ( فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ) أي ذا مكانة ثابتة ، وإننا نثق بك . [ 55 ] ولكن يوسف عليه السلام لم يكتف بذلك ، ولم يفرح بالتحول الفجائي الذي حدث عنده من السجن ، إلى الوزارة ، بل سعى من أجل الوصول إلى خطته البعيدة المدى . ( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ ) أي طالب بما يسمى اليوم بوزارة المالية ، ولأنه عرف أن المشكلة الأساسية في الدولة هي مشكلة القحط الذي سوف يصابون به ، وعليه من جهة العمل من أجل حل هذه المشكلة ، وأن يسعى من جهة أخرى نحو هداية الناس من خلالها . وبَيَّن أنه أفضل فرد تخول إليه شؤون المال وهو صاحب علم وأمانة ، فبعلمه يخطط وبأمانته يعمل دون فساد ( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) . [ 56 ] وقبل الملك ذلك ، فلما امتلك يوسف عليه السلام سلطة المال في الدولة نشر سلطته إلى سائر المرافق ، وتمكن في الأرض بفضل ربه الذي جازاه على إحسانه . ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ) أي ينشر سلطته فيها في أي مجال يريد بسبب علمه وأمانته وسلطته المالية ( نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ) ذلك لأن الأمور بيد الله ، والله سبحانه أجرى في الدنيا نوعين من الأنظمة : النوع الأول : الأنظمة الطبيعية ، مثل السعي والحكمة والصبر والاستقامة . النوع الثاني : الأنظمة الغيبية مثل الإيمان والتقوى والإحسان ، ويوسف تقدم من خلال تطبيق هذين النوعين من الأنظمة ، فمن جهة عمل بحكمة وأناة واستقامة ، ومن جهة ثانية قاوم الشهوات ، وأتقى ربه ، وأحسن إلى الناس ( وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) إن الإحسان إلى الناس يتضاعف بإذن الله ليعود إليك في يوم قريب أو بعيد . [ 57 ] وجزاء المؤمن في الدنيا شاهد على جزائه الأوفى في الآخرة ، وإن الله سبحانه لا يخلف وعده معه ( وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) وهكذا نستوحي من هذه
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 9 ص 22 .