[ 51 ] وهكذا بقي يوسف في السجن إلى أن يتم التحقيق في سبب سجنه ، واستحضر الملك النسوة وسألهن عن سبب تقطيع أيديهم ، وهل كان ذلك بسبب فعل يوسف لشيء - حاشاه - ، ولم يحرن جوابا ، فاعترفن بحقيقة الأمر ، وإن يوسف كان نقي الجيب ، وإنهن دونه طلبن الفاحشة ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) أي هل بسبب إنه كان أهلا لهذا ( قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) لقد كان نظيفا للغاية ، واستعذن بالله من اتهام يوسف بسوء ، فلما شهدن بالأمر اضطرت امرأة العزيز إلى الاعتراف هي الأخرى ( قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ) أي الآن ظهر الحق وأبان عن الباطل . ( أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ ) فأنا وليس هو الذي طلب مني الفجور .
[ 52 ] وقال يوسف عليه السلام - وهو يؤكد براءته أمام عزيز مصر - : إنما طلب منه التحقيق مجدداً ، ليعلم - ليس فقط العزيز ، وإنما الملأ وعامة الناس - إني بريء ، وأنني لم أخن الملك في بيته وهو غائب عنه ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) إن الخائن كانت امرأته التي لم يوفقها الله ، بل أظهر حقيقتها للناس ( وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ) والكيد : الحيلة ، والله لا يوفق الخائنين في حيلهم ومكرهم .
[ 53 ] ثم أكد يوسف عليه السلام أن كلامه لا يعني أنه من أنصاف الآلهة ، وأنه ليس من جنس البشر ، وأن الذين يعملون السيئات هم من الشياطين . كلا . . بل إن النفس لأمارة بالسوء ، وأن السقوط في أوحال الرذيلة ليس بعيدا عن طبيعة البشر ، وإنما يعني أن التمسك برسالات الله والتسلح بقوة الإيمان والتقوى يمنع من هذا السقوط .
( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) فرحمة الله تعطي الإنسان قدرة كبيرة للتغلب على النفس الأمارة بالسوء ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .
المؤمن يدركه الله في الظروف التي يتعرض فيها للضغوط الاجتماعية أو النفسية كما فعل سبحانه بيوسف الذي أحاطت به أسباب الرذيلة الاجتماعية . حيث هددته زوجة العزيز بالسجن ، وكذلك عواملها النفسية حيث عرضت امرأة شابة جميلة نفسها عليه وهو في عنفوان شبابه ، حيث الشهوة الجنسية في أوجها ، ولكنه نجا من الرذيلة برحمة الله حيث قال : ( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ) .
[ 54 ] وبعد أن ثبتت براءة يوسف عليه السلام أمام الملك طلبه لكي يصبح من المقربين إليه ( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ) أي أجعله خالصا لنفسي ، أستعين به في أموري ، ويبدو أن الكلمة توحي بمفهوم الوزارة عندنا .
من هدى القرآن — صفحة 136
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٦