تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
وهنا يشير التعبير بدقة إلى ذلك حيث يقول ربنا : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ) فبرهان ربه الذي رآه ببصيرته منعه من إرادة المعصية . وأساسا الهم : هو العزم على الفعل ، كما قال ربنا ( إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ) [ المائدة : 11 ] . وربما يستخدم الهم في الأمر الذي يريده الإنسان ويجد أمامه مانعاً منه ، كما قال الشاعر :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكي حلائله
ومنه قوله تعالى ( إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ) [ آل عمران : 122 ] . ويبقى السؤال : ماذا رأى يوسف حتى تجاوز كل ميوله البشرية وامتنع عن ارتكاب الذنب ، أو سلوك مسلكٍ آخر غير الهرب مثل أن يضربها ليدفعها عن نفسه ؟ ، وبتعبير آخر : ما هو برهان ربه ؟ . أولًا : البرهان هو السلطان ، ويراد به السبب المفيد لليقين لتسلطه على القلوب كالمعجزة ، قال تعالى ( فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) [ القصص : 32 ] . وقال : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) [ النساء : 174 ] . وقال : ( أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [ النمل : 64 ] . وهو : ( الحجة اليقينية التي تجلي الحق ولا تدع ريبا لمرتاب ) « 1 » على حد تعبير تفسير الميزان . وجاء في الرواية عن أبي الصلت الهروي قال : ( لَمَّا جَمَعَ الْمَأْمُونُ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا أَهْلَ الْمَقَالَاتِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالدِّيَانَاتِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْمَقَالَاتِ ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أُلْزِمَ حُجَّتَهُ كَأَنَّهُ قَدْ أُلْقِمَ حَجَراً ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَهْمِ فَقَالَ لَهُ : يَا بْنَ رَسُولِ الله أَتَقُولُ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ عليه السلام : بَلَى . قَالَ : فَمَا تَعْمَلُ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) ، وَقَوْلِهِ فِي يُوسُفَ : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) ، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَاوُدَ : ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) ، وَقَوْلِهِ فِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله : ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ )
هامش
( 1 ) تفسير الميزان : ج 11 ص 129 .