( مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) .
فَقَالَ مَوْلَانَا الرِّضَا عليه السلام :
وَيْحَكَ يَا عَلِيُّ اتَّقِ الله وَلَا تَنْسُبْ إِلَى أَنْبِيَاءِ الله الْفَوَاحِشَ وَلَا تَتَأَوَّلْ كِتَابَ الله بِرَأْيِكَ فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ :
( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .
أَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آدَمَ عليه السلام : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى )
فَإِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ حُجَّةً فِي أَرْضِهِ وَخَلِيفَتَهُ فِي بِلَادِهِ لَمْ يَخْلُقْهُ لِلْجَنَّةِ ، وَكَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنْ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ لَا فِي الْأَرْضِ لِتَتِمَّ مَقَادِيرُ أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ وَجُعِلَ حُجَّةً وَخَلِيفَةً عُصِمَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ :
( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ )
إِنَّمَا ظَنَّ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَ الله عَزَّ وَجَلَّ :
( وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ )
وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الله لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَكَانَ قَدْ كَفَرَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي يُوسُفَ : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا )
فَإِنَّهَا هَمَّتْ بِالْمَعْصِيَةِ وَهَمَّ يُوسُفُ بِقَتْلِهَا إِنْ أَجْبَرَتْهُ لِعِظَمِ مَا دَاخَلَهُ ، فَصَرَفَ اللهُ عَنْهُ قَتْلَهَا وَالْفَاحِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ :
( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ )
يَعْنِي الْقَتْلَ
( وَالْفَحْشَاءَ )
يَعْنِي الزِّنَا )
« 1 » .
ثانياً : إن يوسف عليه السلام ، كان صديقا أيقن قلبه إن جماله من الله ، وهو الذي أعطاه القوة ومكنه في الأرض ، وأن من كفر بأنعم الله لا يفلح ، وبسبب إيمانه الصادق بهذه الحقائق أدركه في ساعة المحنة إيمانه ، وبلورت المعاناة شخصيته التي عجنت بروح الإيمان والتقوى ، فظهر له برهان ربه وحجته البالغة في تلك اللحظة الشديدة من صراعه مع طبيعته ومع مجتمعه المتمثل في قوة ربة بيته ، فكان كمن قد رأى البرهان واضحا أمامه .
وهكذا المؤمنون الصادقون يتذكرون ربهم كلما مر بهم طائف من الشيطان ، وتعرضوا لتجربة صعبة فيتركون المعصية ، بينما يغط غيرهم في غفلة شاملة .
إن اللحظات الصعبة في حياة الفرد تستخرج دفائن نفسه ، وخبايا ذاته ، وسرائر عزيمته ، فالمؤمن يزداد إيمانا ، بينما غيره يفشل في التجربة .
ومن هنا كان على الفرد أن يعمل عملا صالحا ليزداد ايمانا فينتفع به في ساعات صراعه الحاسم مع الشهوات أو ضغوط المجتمع حيث لا ينفع المرء إلا ذخائر إيمانه .
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 11 ، ص 73 .