الهرب وأرادت زليخا امرأة العزيز منعه ، وتعلقت بقميص يوسف من الخلف فانشق القميص ، وإذا بزوجها على الباب فافتعلت تهمة ، وادعت أن يوسف أراد بها سوءاً ، وطالبته بأن يسجنه أو يعذبه ، وقال يوسف : إنها هي التي طلبت مني الفاحشة فرفضت ، وجاءت الشهادة من داخل بيتها ومن أهلها إن شُق القميص من الخلف فهي التي لحقت به وشقته ، وإن كان من الأمام فإنه - أي يوسف - الذي حاول الاعتداء عليها ، فشقت قميصه دفاعا عن نفسها ، فلما نظر العزيز وجد القميص مشقوقا من الخلف وحكم عليها بالخيانة ، وأمر يوسف بأن يبتعد عن السوء ، وأمرها بأن تستغفر لذنبها لأنها هي الخاطئة .
وهكذا أنقذ الله يوسف مرة أخرى من السوء ، ولو كان يوسف فرضاً ضربها يدفعها عن نفسها ولم يبادر بالهرب ، ودخل زوجها عليهما فماذا كان ظن العزيز حينها ، أوليس القتل سيكون مصير يوسف عليه السلام ؟ ! .
بينات من الآيات :
ما هي العصمة ؟
[ 24 ] هل الأنبياء عليهم السلام معصومون بذاتهم أم بإرادة الله وروح الإرادة ؟ .
لأن الأنبياء بشر حيث يقول سبحانه : ( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) [ إبراهيم : 11 ] . ويقول تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيّ . . . ) [ الكهف : 110 ] . فبطبعهم البشري توجد فيهم كل الميول الموجودة في أي بشر آخر ، يذوق جسدهم ألم الجوع والإرهاق والضرب والعذاب ، كما تتحسس قلوبهم بألم الغربة وبضغط الشهوات ، ولكن ما يميزهم عن سائر البشر أنهم موقنون ويعصمهم الله بروحه فإنهم يتجاوزون أنفسهم بسرعة ، وآيات القرآن التي تعكس هذه المفارقة في حياة الأنبياء كثيرة ، ولا يكاد نبي مذكور اسمه في الكتاب يخلو عن حالة صعبة اجتازها بتوفيق الله ، ولولا التوفيق الإلهي ، ولولا روح الإيمان لكان معرضاً لنفس الحالات التي يتعرَّض لها أي بشر آخر ، ويوسف واحد من هؤلاء البشر الكرام ، المعصومين بروح الله ، فلأنه إنسان مكتمل الشخصية البشرية كاد يهم بها ، ولأنه موقن ومعصوم فقد رأى برهان ربه .
ومن هنا نعلم أن هَمَّ يوسف لم يتم عمليا بل كان هَمّا بالقوة ، فلولا برهان ربه المانع من هَمِّهِ بالمعصية لكان قد هَمَّ بها ، والتعبير القرآني يبين بلطف عجيب هذه المفارقة في آية أخرى حيث يقول ربنا عن النبي محمد صلى الله عليه وآله : ( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) [ الإسراء : 74 ] .