فيه بالرغم من حسنه المفرط ، وربما السبب محاولة التخلص منه مخافة أن يفضحهم ، ويبين أنه ليس بعبد فيخسرون حتى هذا الثمن القليل ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ ) .
كانت ملامح العبد وصفاته النفسية تختلف عن ملامح يوسف الذي كان كما يقول الرسول فيما روي عنه :
( الكَرِيمُ ابْنُ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيم )
« 1 » . لذلك زهد فيه الناس تهيباً أو مهابة ، ولكن لننظر عاقبة هذا الغلام الذي ينبذه إخوته في البئر ويزهد فيه السيارة ، كيف يصبح سيدا ورئيسا .
التمكين
[ 21 ] جاؤوا بيوسف إلى مصر حيث اشتراه سيد مصر ومليكهم ليكون مساعده في شؤونه ، أو من ولده وولي عهده ( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ) أي اجعلي مكانته كريمة وسامية عندك ، فلا تستخدميه كأي عبد آخر ، بل حاولي أن تربيه وتكلفيه الأعمال الهامة ( عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) وهكذا أصبح الغلام الطريد الذي زهدوا فيه ابنا لعزيز مصر ، وهكذا مَكَّنه الله في الأرض ماديا ، أما معنويا فسوف يُعلِّمه من تأويل الأحاديث حتى يعرف عواقب الأمور ، وسنن الحياة وأنظمة الكون ( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .
يزعم الناس أن حوادث الزمان تجري على غير هدى ، ولا يعلمون أن وراء ما يسمى بالصدف إرادة حكيمة ، ووراء ما يسمى بالأنظمة والسنن الطبيعية تدبير رشيد من الله سبحانه ، وهكذا يشاء تدبير الله ألا يُقتل يوسف بل يوضع في غيابت الجب ، وأن تكون أول قافلة تجارية تمر من هناك متجهة إلى مصر ، كما يشاء تدبيره أن يزهد فيه القوم فيشتريه عزيز مصر . . وهكذا تتلاحق ما يسمى بالصدف ، والاتفاقات حتى يصبح يوسف سيد مصر .
[ 22 ] شب يوسف وبلغ سن الرشد ، وأتاه الله النبوة والعلم بسبب إحسانه ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) يبدو لي أن بلوغ الأشد هو بلوغه سن الرشد .
( آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) الحكم هي السلطة الإلهية التي تتجسد في النبوة ، بينما العلم هو فقه الأحكام الشرعية وما يتصل بها من متغيرات الحياة .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 12 ص 218 .