بين التكذيب والتصديق
[ 105 ] كان الرسل عليهم السلام يؤكدون في دعوتهم على هذه الحقيقة وهي : أن الكذب على الله جريمة كبيرة وذنب عظيم ، وهذا التأكيد يكشف للناس أنهم عليهم السلام لابد أن يكونوا واحدا من نوعين من الرجال :
- فأما أن يكونوا مجرمين من الدرجة الأولى - حاشاهم - وسيرتهم حافلة بالأمانة والصدق والفداء وهذه الصفات تكشف للناس غير ذلك .
- وإما أن يكونوا صادقين ، ولولا هذا التأكيد المكرر على أن الافتراء على الله ضلالة كبرى وجريمة نكراء ، لكنا نحتمل أن يكون النبي كاذبا لمصلحة الناس مثلا دون أن يعرف أهمية الكذب أو مدى قبحه ، وموسى عليه السلام بدأ حديثه مع فرعون بهذه الكلمة حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي يجب ألا أقول على الله إلا الحقيقة ، وهذا الوجوب أعرفه جيدا وأعترف به ، فإني بعيد عن الكذب على الله بسبب اعتبار ذلك جريمة ، وأكثر من هذا أني أملك بينة واضحة على ذلك قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لقد كانت رسالة الله على موسى ذات صفة اجتماعية واضحة ، حيث طالب موسى فرعون بكف الظلم عن بني إسرائيل الذين استضعفهم فرعون ، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام كان يهدف أيضا نجاة فرعون وقومه من ضلالتهم ، لكن بدأ رسالته من حيث كان الانحراف الكبير أو الفساد العظيم ، وهكذا ينبغي ألا تكون دعوة المصلحين في الفراغ ، بل متجهة إلى أكبر انحرافات المجتمع لكشفها وإصلاحها .
[ 106 ] أما فرعون رأس هرم المجتمع الفاسد ، وقائد الملأ الكاذب فإنه تحدى موسى وطالبه بالآية التي جاء بها قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ .
[ 107 ] واستجاب موسى عليه السلام للتحدي فوراً فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِين .
[ 108 ] وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ كانت يده عليه السلام التي تشع بالبياض آية واضحة على صدق رسالته .