تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
التدبير في الكون يدلنا على ربنا العزيز فيقول : ( يَا مُفَضَّلُ أَوَّلُ الْعِبَرِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَارِئِ جَلَّ قُدْسُهُ تَهْيِئَةُ هَذَا الْعَالَمِ وَتَأْلِيفُ أَجْزَائِهِ وَنَظْمُهَا عَلَى مَاهِيَ عَلَيْه ، فَإِنَّكَ إِذَا تَأَمَّلْتَ الْعَالَمَ بِفِكْرِكَ وَمَيَّزْتَهُ بِعَقْلِكَ وَجَدْتَهُ كَالْبَيْتِ الْمَبْنِيِّ الْمُعَدِّ فِيهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عِبَادُهُ ، فَالسَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ كَالسَّقْفِ ، وَالْأَرْضُ مَمْدُودَةٌ كَالْبِسَاطِ ، وَالنُّجُومُ مَنْضُودَةٌ كَالْمَصَابِيحِ ، وَالْجَوَاهِرُ مَخْزُونَةٌ كَالذَّخَائِر ، وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهَا لِشَأْنِهِ مُعَدٌّ ، وَالْإِنْسَانُ كَالْمُمَلَّكِ ذَلِكَ الْبَيْتَ ، وَالْمُخَوَّلِ جَمِيعَ مَافِيهِ وَضُرُوبُ النَّبَاتِ مُهَيَّأَةٌ لِمَآرِبِهِ ، وَصُنُوفُ الْحَيَوَانِ مَصْرُوفَةٌ فِي مَصَالِحِهِ وَمَنَافِعِهِ ، فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَالَمَ مَخْلُوقٌ بِتَقْدِيرٍ وَحِكْمَةٍ ، وَنِظَامٍ وَمُلَائَمَةٍ . وَأَنَّ الْخَالِقَ لَهُ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي أَلَّفَهُ وَنَظَّمَهُ بَعْضاً إِلَى بَعْضٍ . جَلَّ قُدْسُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ وَكَرُمَ وَجْهُهُ وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ . تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْجَاحِدُونَ وَجَلَّ وَعَظُمَ عَمَّا يَنْتَحِلُهُ الْمُلْحِدُونَ ) « 1 » . ذلك لأنك حين ترى كل شيء في الدنيا يحقق هدفا ، ويسعى في سبيل بلوغ غاية محددة ، فتتذكر حقيقة هامة في ذاتك ، هي أنك بدورك خلقت لهدف ومن أجل بلوغ غاية ، وهذا التذكرة تصبح حجر الزاوية في بناء كيانك الفكري . إذا تتساءل ما هو الهدف ؟ وكيف أحققه ؟ وما هي الغاية وكيف الوصول إليها ؟ . وعبر سلسلة من التساؤلات التي تؤدي بك إلى التدبر العميق في نفسك ، وفي آفاق الكون حولك ، تصل إلى الهدف الأساسي من خلقك ، ذلك هو العروج إلى مقامك الأسمى عند الله ، وتبحث عن الوسيلة التي تساعدك على الوصول إلى مقامك المنشود عند الله ، إلى مرضاة ربك العزيز المقتدر ، فلا تجدها إلا في التقوى ، لذلك : إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ . وجاء في آية أخرى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] . حين نجد كيف يتدرج المتفكر في خلق السماوات والأرض من معرفة هدفية الخلق ، وأنه لم يخلق باطلًا ، حتى يصل إلى التقوى من الله والحذر من عذابه .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ص 61 .