تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
الطلب إنما هو من السفهاء ، وأن هذا امتحان منك ، وإنك رب الهداية ، وإنك تضل من تشاء حين لا تريد هدايته ، وإنك ولينا جميعا فاغفر لنا ما سلف من ذنوبنا ، وأنت ارحم الراحمين فأنزل علينا رحمتك ونعمك . أن الهدى الذي كان في كتاب الله لموسى عليه السلام كان يدعو البشر إلى الالتزام بالخط المستقيم بين حاجات الدنيا وتطلعات الآخرة ، لذلك دعى موسى عليه السلام بأن يكتب الله لهم الحياة الحسنة في الدنيا والآخرة . وهذا لا يكون إلا بالتوجه إلى الله ، وربنا الكريم بين له أن عذابه إنما هو من نصيب من يشاء ، وأما رحمته فهي واسعة ، وهي للذين يتقون ويزكون أنفسهم ويؤمنون بآيات الله عز وجل .

بينات من الآيات : حكمة الغضب

[ 154 ] يصور القرآن الحكيم النبي موسى عليه السلام عبر آياته العديدة شخصية سريعة الغضب ، مما يطرح هذا السؤال : هل كان موسى فعلا كذلك أم أن ظروفه كانت تستدعي ذلك ؟ بحيث لو وضعنا أيوب مثل الصبر والهدوء في مكانه لكان يفعل ذلك أيضا ؟ . الواقع : أن بني إسرائيل كانت أمة مستضعفة اعتادت الذل والهوان ، وكانت بالرغم من ذلك شديدة العلاقة بموسى باعتباره منقذا لها ، لذلك كانت هذه الأمة بحاجة ماسة إلى التدخل المباشر من قبل موسى عليه السلام في شؤونها اليومية ، والتدخل المباشر لم يكن ممكنا بصورة هادئة ، إنما بطريقة تثير دخائل وأعماق هذه الأمة التي اعتادت الصياح والزجر . من هنا نعرف أن غضب موسى عليه السلام كان يسكت كلما كانت الظروف العادية ترجع إلى الأمة ، باعتبار أن غضبه ليس لنفسه وإنما لرسالته ولله وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ - ويبدو لي - أن غضب موسى لم يسكت عنه إلا بعد تصفية العناصر الخائنة ، وقتل أعداد كبيرة منهم ، وقبول توبة البقية ، بعدئذ أخذ موسى عليه السلام يخطط لبناء مجتمع سليم . أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ أن التخطيط للحياة الإسلامية في المجتمع إنما يكون بعد إرساء قاعدة التوحيد في النفوس ، لذلك أخذ موسى عليه السلام يشرح ما في الألواح للناس بعد انتهائه من تصفية العناصر الخائنة ، وكانت الألواح تهدي الناس إلى طريق رحمة الله ونعمته ، ولكن هذه النعمة ليست إلا للمتقين لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ .