وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ الخوار : صوت الثور ، وربما كان السامري قد صنع جسد العجل وهيكله بطريقة معينة بحيث كان يخور إذا دخل فيه الريح ، أو كانت القبضة التي أخذها السامري من أثر الرسول هي التي جعلت العجل يخور .
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا بينما الله كان يكلم موسى تكليما ، وقد فصل له ولقومه رسالاته التي تهديهم سبل السلام .
اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وأي ظلم أكبر من الشرك بالله والردة بعد الإيمان ، إن عجل بني إسرائيل كان مثلًا للقيادة الباطلة التي كان السامري يسعى من أجلها ، لقد كان العجل يخور - كما القيادات الباطلة تنطق بما لا يهدي سبيلًا ، وبما لا يوضح علماً حقيقيًّا - وكان جسداً هيكلًا ولكن بلا روح ، كذلك القيادات الباطلة لا تعطي الأمة روحا معنوية .
[ 149 ] وجاء موسى عليه السلام ، وانفضحت الكذبة الكبرى ، التي اعتمدتها الردة الجاهلية وهي موت موسى عليه السلام ، وندم الجميع وسقط في أيديهم ، وظهرت الحقيقة المخفية وهي : أنهم قد ضلوا ، وآنئذ تابوا إلى ربهم وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ - يبدو لي - أن رحمة الله هنا متمثلة في هداية الله التي من دونها يبقى البشر في الضلالة .
امتحان وفرز
[ 150 ] كانت عبادة العجل امتحانا عسيرا لقوم موسى عليه السلام وتصفية للعناصر الضعيفة والخائنة في المجتمع الرسالي الذي ينبغي أن يقود المجتمعات الأخرى ، ويكون شاهداً عليها ( أي النموذج الصالح لها ) ، لذلك حين عاد موسى إلى قومه كان غضبان أسفا .
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً - يبدو لي - أن الغضب هو الرفض الشديد لشيء ما مع القيام بعمل ما من أجل تغييره وإصلاحه وتعويضه ، بينما الأسف هو : رد الفعل النفسي تجاه حادثة سابقة قد وقعت خطأ ، وموسى عليه السلام كان متأسفاً لما وقع عليه قومه سابقاً من انحراف وضلالة ، وغاضباً عليهم الآن لما هم فيه من نقص وقلة فهم ووعي . . قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي لقد تركت وصيي كقائد لكم وكشاهد عليكم أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأردتم الوصول إليه قبل ميعاده .
إن قوم موسى كانوا لا يزالون في مرحلة الإيمان بالحضور والشهود لا بالمستقبل والغيب ، وهذا كان أحد العوامل لتسارعهم إلى عبادة العجل باعتباره إله موسى ، كما كان السبب في طلب