تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
يهدي الناس إلى سبل السعادة ، وهذا العجل لا يفعل ذلك ، وهكذا ظلموا أنفسهم وحين انكشفت لهم الحقيقة ندموا وعرفوا مدى الضلالة التي وقعوا فيها قالوا : لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ، وهذا الدعاء يكشف أن قوم موسى تجاوزوا مرحلة الصنمية بعد التوبة . وعندما عاد موسى عليه السلام من مناجاة ربه غضب ، وكان آسفا كيف عبد قومه العجل ونادى فيهم ، بئسما خلفتموني من بعدي ، أهكذا ينقلب الناس بعد غياب قادتهم ، وألقى موسى الألواح التي كانت برفقته وفيها رسالات الله ، ألقاها جانبا لأنها لا تنفع قوما تركوا الإيمان إلى الشرك ، وأخذ برأس أخيه هارون وهو يستفسر منه الوضع ، ويسحبه من ذلك القوم الضال ، ولكن هارون عليه السلام وضح له الحقيقة وهي : أن قومه استضعفوه ، وأنهم هموا بقتله ، ولذلك فهو اتقاهم حتى يعود موسى عليه السلام وطلب هارون من أخيه بألا يشمت به الأعداء ، ولا يجعلهم يفرحون بمعاملة موسى لأخيه المعارض لهم ، كما طلبه بألا يفسر سكوته الظاهر بأنه نابع من رضاه بالوضع ، كلا . . بل إنه كان سكوتاً غاضباً بانتظار الفرج القريب .

بينات من الآيات : لماذا العجل ؟

[ 148 ] لماذا عبد بنو إسرائيل في غياب موسى إلى الطور العجل ، واتخذوه إلههم ؟ . يبدو أن رواسب الجاهلية الفرعونية التي عاش بنو إسرائيل في ظلها قرونا ، والتي كانت تعبد العجل وتتخذ منه رمزاً للرخاء الزراعي ، إنها كانت السبب في صناعة العجل ، إلا أن الحلي من الذهب والفضة كانت مادة لهذه الصناعة ، لأن بني إسرائيل حين رحلوا عن أرض مصر حملوا معهم حليهم ، وكانوا يعتزون بها باعتبارها الرصيد الاقتصادي الوحيد الذي كانوا يملكونه ، فحين ظهرت رواسب الجاهلية الكامنة على السطح ، صنعوا من الحلي عجلا ، فهم في الواقع كانوا يعبدون الذهب والفضة والرخاء باعتبار أن شكل العجل يدل على ذلك الرخاء ، وباعتبار أن العجل صنع من الحلي . وهكذا دلت الحادثة على أن التحول السياسي الذي حدث في بني إسرائيل لم ينعكس على ثقافتهم ، وكانوا يحتاجون إلى ابتلاء ليظهر واقعهم فيعالجه المصلحون ، وربما لذلك واعد ربنا موسى ثلاثين يوماً ثم أضاف إليها عشرا حتى يكون الجو مهيئا للسامري بأن يشيع نبأ كاذباً هو : أن موسى عليه السلام قد مات ، ويظهر واقع السامري وما كان ينتظره من موت موسى ليخرج بدعته ، وهكذا وقع السامري في المكر الإلهي .