العقلية في ذلك مما يصعب عملية التبادل التجاري ، بل يعني أن يكون هدف الفرد القسط ، ولا يعتمد التجاوز على حقوق الآخرين ، ومن هنا جاء في الآية الكريمة : لا نُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [ البقرة : 286 ] . أي حسب استطاعتها دون حرج أو عسر ، ذلك لأن المجتمع المسلم تنتشر فيه روح المسامحة والإحسان إلى جانب الالتزام بالحقوق .
المسؤولية الاجتماعية
وحين يلتزم سائر الأفراد بالحقوق تنتهي المشكلة ، ولكن إذا تعاسروا واختلفوا فإن أبناء المجتمع يجب أن يصبحوا قضاة عدولًا ، ولا يحكموا ضد أو مع هذا وذاك ، من دون دليل ثابت حتى ولو كان الشخص من أعدائي أو من أقاربي . لابد أن يكون كلامي عدلًا .
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وإذا امتلك المجتمع روحاً قضائية عادلة حكم أبناؤه لصاحب الحق وضد الظالم أنى كان ، فإنه يصبح ذا مناعة كافية عن انتشار الظلم فيه ، وعن نمو الجريمة ، إذ أن الظالم لا يبدأ ظلمه بظلم كبير ، وكذلك المجرم لا يقترف جرائم كبيرة مرة واحدة ، إنما يتدرج نحوها شيئاً فشيئاً ، فإذا ظلم الشخص مرة فعارضه أقرب رفاقه وأقاربه فسوف ينسحب لصالح المظلوم ، يتأدب ، ويتخذ لمستقبله درساً لا ينساه ، وكذلك المجرم لو قام في البدء بجريمة صغيرة في محيط معارض له فسوف يتوقف عن الاستمرار في الجريمة .
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا هناك صلات طبيعية بين أبناء المجتمع كصلة الآباء بالأبناء ، وقد سبق الحديث عنها في الدرس السابق ، وهناك صلات حضارية أساسها التعاون على الخيروالمصالح المشتركة ، وقد تحدث عنها القرآن في هذا الدرس ، بيد أن شرط بقاء هذه الصلات هو تحكيم النظرة التوحيدية في العلاقات ، وذكرها الله سبحانه متمثلا في حرمة الحقوق ، وعدالة القضاء ، والآن ذكر الله سبحانه العهد باعتباره الحبل المتين الذي يشد المجتمع ببعضه ، ومن دون تقديسه واحترامه لا يثق المجتمع ببعضه ، فيختل التعاون ، بل يستحيل التعاون ، إذ لا يمكن أن يكون الاعتماد على القوانين المستوردة وأجهزة الضبط والمراقبة الالكترونية الحديثة عوضاً عن العهد ، حيث أن البشر قادر على تجاوزها والالتفاف حولها ، ولكنه لا يستطيع تجاوز ضميره ، والالتفاف حول وجدانه .
وقد جعل الله العهد بين الناس وثيقة بينه وبينهم مباشرة فسماه عهد الله حتى يعطيه الضمانة الإيمانية لإجرائه .
إن هذه وصايا ربنا الاجتماعية التي لو أمعنا فيها النظر لرأينا أنها حقائق واضحة كنا
من هدى القرآن — صفحة 451
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥١