الفكرة هي التي دفعت بعض الناس لعبادة الشيطان حيث قالوا : إن الله رحيم بنا لأن طبيعته الخير ، أما الشيطان فإن طبيعته الشر فعلينا عبادته .
ولكن إبراهيم بين أن الله لا يرضى بطاعة أحد من دون أن يأذن هو بذلك ، ولن يأذن ، وإلا فهو ينزل غضبه ولعنته على البشر ، وإنه لو أرادت الآلهة أو الذين يطاعون من دون الله الفتك بالناس والتجأ الناس إلى الله - رب الآلهة والناس - لتخلصوا من شرورهم ، إذن فالأمن الحقيقي لمن يخشى الله فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ .
مضار الشرك
[ 82 ] وعاد إبراهيم وأضاف دليلًا جديداً على ضرورة التوحيد الخالص وهو : أن الشرك ظلم ، بينما الخضوع لله هو العدل ، وأن للظلم ضررين :
الأول : الابتعاد عن الأمن .
الثاني : الابتعاد عن الهدى ، بينما المؤمن الموحد يملك الأمن والهدى .
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ .
دعنا نتصور : مجتمعاً يسوده الطاغوت ، ويخشى الطبيعة ، ويقدم قرابينه لإله البحر وإله الحرب وإله الربيع ، كما كان يفعل أهل مصر ، ومجتمعاً تسوده حكومة عادلة ، ويتحدى الطبيعة ويقهرها . أيهما سيكون المجتمع الآمن ؟ هل الظلم الطاغوتي والخضوع للطبيعة يوفر الأمن ، أم العدالة والحضارة ( قهر الطبيعة وتسخيرها ) ؟ ! ثم إن التحرر من خوف الطاغوت وخوف الطبيعة يجعلنا نفكر بحريتنا ، نبحث عن الحقيقة بكل أمان ، ولا نخشى من الحقيقة ، ولا تسودنا دعاية الطاغوت ، ومخاوف الطبيعة لنقتحم كل أسوار الطبيعة ، لنكتشفها ونسخرها ، وآنئذ نحصل على الهداية . إن بداية كل علم هو الشعور بالأمن . لذلك جاء الهدى بعد الأمن في الآية الكريمة .
[ 83 ] لقد حاج إبراهيم ( عليه السلام ) قومه فإنتصر عليهم ، والسؤال هو من آتاه هذه الحجة ؟ إنه الله ، إذ أن إبراهيم ( عليه السلام ) كشخص إذا لم يكن نبياً يوحى إليه يعيش ضمن حدود المجتمع ، وتقهره الطبيعة لابد أن يتقولب حسب أفكار المجتمع وحتميات الطبيعة بنسبة ما ، إلا أن الله سبحانه يرسل رسالته على الإنسان لكي ينقذه من الحتميات الاجتماعية والطبيعية التي تحيط به . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ولحكمته ولعلمه لا يرفع كل شخص إلى رفيع الدرجات عبثاً ، إنما يرفع من يكون مؤهلًا لذلك بجده واجتهاده ، وبحثه عن الحقيقة ، وعدم خوفه من الحتميات الباطلة .
من هدى القرآن — صفحة 380
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٨٠