فإن فطرة الإنسان تهديه إلى وجود سنن ونظم في هذا الكون المهيب ، وأن الطبيعة تسير وفق نظام . الشمس والقمر والنجوم كلها تسير وفق خطة مرسومة . من الذي يهدي الشمس إلى مسيرتها ، والقمر إلى فلكه ، والنجوم إلى مراسيها ؟ إنه الله . إنه خالقها ، إذن فعلينا نحن أيضاً أن نبحث عن الهدى هنالك عند الله ، لا سيما في موضوع الإله . إذ قد يكون ( وهذا واقع فعلا ) البشر عاجزاً عن معرفة ربه ، ولكن ربه سبحانه ليس بعاجز عن تعريف ذاته له .
ومن جهة أخرى : حين تكرر تجربة الإنسان الفاشلة في الوصول إلى الحقيقة ، تعتريه حالة اليأس ويقول : أنا أقل من أن أعرف الحقيقة ، فلماذا البحث ؟ ! .
وهذا اليأس هو أخطر عدو للبحث ، وهو وراء أكثر من نصف الجهل الموجود لدى الناس ، واليأس لا يزول إلا بالتوكل على الله ، لذلك قال إبراهيم ( عليه السلام ) : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .
[ 78 ] إذا كان جمال القمر قد دفع البعض إلى اتخاذه إلهاً مؤقتاً فإن كبر الشمس وضخامتها ، بالإضافة إلى جمالها يدفعهم هذه المرة إلى مثل ذلك .
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ وكانت صدمة الفشل الهائلة والمتكررة حيث اختفت الشمس العملاقة وراء الأفق .
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ فتجعلون الشمس وهي خلق مما خلق الله شريكة لرب العالمين ، بينما شريك الألوهية يجب أن يكون قادراً حرًّا مريداً ما يشاء ، والشمس مسخرة بأمر ربها ، لا تستطيع أن تخالف أمر الله في الطلوع والغروب .
التسليم المطلق المرحلة الأخيرة
[ 79 ] ترك إبراهيم ( عليه السلام ) الخلق واستقبل بوجهه الخالق ، ترك الطبيعة إلى مسخرها ومدبر أمرها ، وقال : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي أي اتخذت الله طريقاً ، ومرضاته هدفاً .
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ خلقها وحدد مسارها ، ورسم حدودها ، وأظهر بذلك هيمنته التامة عليها .
وحين عبد إبراهيم ربه كفر بكل الشركاء ، ورفض الأنداد جميعاً وكان : حَنِيفاً مائلًا عما اعتمده الناس متمرداً على عاداتهم وتقاليدهم ، وسلم أموره جميعا إلى الله رافضاً الانتماء إلى المجتمع الكافر وقال : وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ .
من هدى القرآن — صفحة 377
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٧