لعب ولهو وما الحياة الحقيقية إلا في الآخرة لمن اتقى ربه من هنا قال ربنا سبحانه : وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وهذه كما سبق - وإن قلنا - أصل الفساد الفكري عند الإنسان . .
كيف تستوعب الغيب ؟
[ 30 ] إذا قدمت إليك تفاحة ، فأردت أن تعرفها جيداً ، فلابد أنك تقلبها من أطرافها ، وإذا فكرت في شراء بيت فإنك تتفقد جميع جوانبه ، أما إذا أردت التعرف على حادثة اجتماعية أو ظاهرة طبيعية ، فإن عليك أن تبحث عن مبتدئها ونهايتها ، عن أولها وآخرها ، فلرب حادثة أولها خير وعاقبتها شر ، ولرب ظاهرة تبدأ نافعة وتنتهي ضارة مفسدة ، والعكس صحيح ، كذلك الحياة لا تعرف بنيانها ، ومرسى سفينتها ، وساعة قيامتها ، وكل حادثة أو ظاهرة تدخل ضمن إطار الحياة تقاس هي الأخرى بهذا الميزان . أي بنهاية الدنيا . ذلك أن مصير ركاب السفينة متعلق بمصير السفينة . كذلك سفينة الحياة تتعلق بها كل الحوادث التي تقع ضمنها .
والقرآن الحكيم يدعنا أبداً نتصور نهاية الحياة لنعرف بدقة أكثر ذات الحياة ، وما بها من أحداث ، وبالتالي ليكون لدينا مقياس نستطيع أن نحكم بسببه على الاحداث حكماً سليماً .
والسؤال : لماذا يستخدم القرآن أسلوب التصوير في هذا الجانب ؟ .
الجواب : لأننا من الناحية العلمية قد نكون مقتنعين بالغيب وبالعاقبة أو حتى بالقيامة ولكن ثقل الشهود وحضور الأحداث والظواهر التي نعايشها الآن تمنعنا عن التوجه إلى الآخرة ، وهنا نحتاج إلى قوة التصور لنعبر فوق جسره إلى شاطئ الغيب ، هناك حيث لا يثقل أحاسيسنا حضوره الفعلي ، لذلك تجد القرآن يقول هنا : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ .
إنك حين تقف فوق تل مشرفاً على رابية ، يمتد بصرك إلى أبعاد الرابية وأطرافها ، وتصبح وكأن الرابية ورقة في يدك .
وفي يوم القيامة حين نشهد آيات ربنا ، هنا جهنم تلتهب ناراً وعذاباً ، وهنالك الجنة تنبسط بنعيمها وجمالها ، وهنا الميزان الحق ، وهناك الكتاب الذي أحصى كل شيء . آنئذ نقف على ربنا ، وتكرهنا القضايا الساخنة على الإيمان به ، ويستشهدنا الله على نفسه تعالى :
قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 337
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٣٧