ظلمات الحياة بصيراً سويًّا .
إن رسالات السماء تذكر الإنسان بربه ، وتفتح نوافذ بصيرته على آيات الله في الكون ، إنها تذكره بعقله ، وتحذره من الهوى والشهوات والغضب والغفلة ، وبالتالي من كل ما يسد عليه أبواب المعرفة ، ويحجب عنه أنوار العقل .
وإذا فتح عقل الإنسان ، واستثيرت بصيرته ، فإنه سيعرف الكثير من خفايا الحياة ، سواء تلك التي أوضحتها الرسالة السماوية وفصلتها ، أم لا .
بيد أن الله لا يكتفي بإعطاء البشر نوراً ، بل يكمل عليهم النعمة ، بأن يرسم لهم خريطة متكاملة لدروب الحياة ، ويوضح لهم المسالك المهلكة ، والصراط المستقيم ، وذلك عبر تشريعات مفصلة ، وواضحة يسميها القرآن ب - الْكِتَابِ ويقول : قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ .
كيف تستحق هدى الله ؟
[ 16 ] بيد أن نور الله وكتابه ، وبالتالي رسالته ، لا تنفع إلا الذين يتبعون مناهج الله التي فيها رضوانه ، فالذي يتولى عنها سوف لاتعطيه رسالة الله نوراً في القلب ، ولا شريعة في الحياة .
إن عقل الإنسان يتبع إرادته ، فلو أراد الإنسان أن يفهم ، لتحرك نحو أسباب الفهم ولفتح عينه وسمعه وقلبه ، ولبحث عن وسائل المعرفة .
أما الذي لا يريد أن يفهم ، فإن عقله يدس في تراب الجهل ، ويخبت نوره إلى الأبد . والذي يريد الفهم عليه أن يجهد في سبيل ذلك ، بأن يبحث عن العلم ، فإذا وجده عمل به ، وكلما زاد عمل الإنسان في شيء زاد علمه فيه . أما من علم علماً فلم يأبه به ، ولم يعمل بهداه ، فإن العلم سيرتحل عنه بلا توديع ، وقد جاء في الحديث عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) :
« الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ والْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ » « 1 » .
لذلك فإن هدى الله لا يُعطى إلا لمن عمل به ، واستعد لبذل الجهد في سبيل تطبيقه ، فإذا فعل البشر ذلك ، فسوف تتوضح له دروب السلامة في مختلف حقول الحياة ، درب السلامة في : الاجتماع ، ودرب السلامة في السياسة ، وفي الاقتصاد وهكذا . .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : حكمة : 366 .